محمد حسين هيكل

39

حياة محمد ( ص )

اللفظية ويقدروا قيمة الحديث : « إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » . فقد ذكر أبو البقاء في « كليّاته » أن « كتابة الصلاة في أوائل . الكتب قد حدثت في أثناء الدولة العباسية ، ولهذا وقع كتاب البخاريّ وغيره عاريا عنها » . وكثرة الأئمة على أن الصلاة على النبي يكفي أن يذكرها المرء مرة واحدة في حياته . قال ابن نجيم في « البحر الرائق » : وأما موجب الأمر في قوله تعالى : ( صَلُّوا عَلَيْهِ ) فهو افتراضها في العمر مرة واحدة في الصلاة أو خارجها ؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار ، وهذا بلا خلاف » . والخلاف بين الشافعي وغيره على وجوب الصلاة على النبي أثناء الصلاة لا خارجها . والصلاة هي الدعاء : ومعناها في الآية أن يترحم اللّه على النبي ويسلّم » . هذا ما أورده علماء المسلمين وأئمتهم في هذا الموضوع . وهو يدلّ على إسراف الذين يزعمون وجوب الصلاة على النبي كلما ذكر اسمه وكلما كتب ، وعلى خطئهم خطأ ما كانوا يقعون فيه إذا عرفوا ما قدمنا وأن كبار المحدثين لم يكونوا يكتبون الصلاة في أوائل الكتب . دفع المطاعن وطريقته أما الذين قالوا بأن مقام النبي الكريم يوجب عدم ذكر مطاعن المستشرقين والمبشرين عليه مقدمة للرد عليها ، فلا سند لهم في قولهم هذا إلا عاطفة إسلامية يحمدون عليها ؛ أما من الناحيتين العلمية والدينية فلا سند لهم ، والقرآن الكريم يذكر ما كان يقول المشركون عن النبي ويدفعه بالحجة البالغة . هذا ، وأدب القرآن أقوم أدب وأسماه ؛ فهو يذكر اتهام قريش محمدا بالسحر والجنون ، وهو يقول : ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) « 1 » . وهو يجري في ذلك بالشيء الكثير . ثم إن الحجة لا تدفع علميّا إلا إذا ذكرت ودوّنت بأمانة ودقة . ولقد قصدت من هذا الكتاب إلى البحث العلمي توخيا للحقيقة العلمية وحدها . وقصدت به إلى أن يقرأه المسلمون وغير المسلمين آملا أن أقنعهم جميعا بهذه الحقيقة العلمية . ولا تبلغ هذه الغاية إلا إذا كان الباحث نزيها في حرصه على الحقيقة ، لا يتقيد باعتبار غير هذا الحرص ، ولا يتردد في الاعتراف بالحق أيّا كان مصدره . كتب السيرة وكتب الحديث ونعود إلى المأخذ الأول ، الذي أخذه عليّ بعض المشتغلين بالعلوم الدينية الإسلامية في رفق ومجادلة بالتي هي أحسن . ذلك قولهم إنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة وكتب الحديث ، ولم أنهج في التعبير عن مختلف الحوادث نهجها . ولقد كان يكفيني ردّا على هذا أنني أجري في هذا البحث على الطريقة العلمية الحديثة وأكتبه بأسلوب العصر ، وأنني أفعل ذلك لأنه الوسيلة الصالحة في نظر المعاصرين لكتابة التاريخ وغير التاريخ من العلوم والفنون . وما كان لي ، وذلك شأني ، أن أتقيد بنهج الكتب القديمة وأساليبها ، وبين هذين وبين النهج والأساليب في عصرنا الحاضر بون عظيم ؛ أيسره أن النقد في الكتب القديمة لم يكن مباحا بالقدر الذي يباح به اليوم ، وأن كثرة الكتب القديمة كانت تكتب لغاية دينية تعبدية ، على حين يتقيد كتاب العصر الحاضر بالنهج العلمي والنقد العلمي . كان يكفيني هذا تسويغا للطريقة التي عالجت بها بحثي ودفعا لكل اعتراض عليه ، لكني رأيت من الخير أن أتبسّط بعض الشيء في بيان الأسباب التي دعت المفكرين من أئمة المسلمين فيما مضى ، وتدعوهم اليوم ، كما تدعو كل باحث مدقق ، إلى عدم الأخذ جزافا بكل ما ورد في كتب السيرة وفي كتب الحديث ، وإلى التقيد بقواعد النقد العلمي تقيدا يعصم من الزلل ما استطاع الإنسان أن يعصم نفسه منه .

--> ( 1 ) سورة النحل آية 103 .