محمد حسين هيكل

37

حياة محمد ( ص )

السنن الكونية التي استنبطها العلم تأويلا تطمئن إليه قواعده . فعلم النفس ما يزال بوجه عام ، غير ثابت السنن في كثير من الشؤون التي تعرض له . فإذا كان هذا واقعا في الحياة العادية ، كان البدار إلى محاولة تفسير ظاهرات الحياة جميعها على الطريقة العلمية محاولة عقيمة وإسرافا معيبا . ولقد كان الوحي بعض ما شهد المسلمون أثناء حياة محمد ، وكان القرآن كلما ذكره لهم زادهم به إيمانا . وكان منهم أذكياء غاية الذكاء ، وكان منهم يهود ونصارى طال الجدال بينهم وبين النبي العربي ، ثم آمنوا برسالته ولم ينكروا عليه من أمر الوحي شيئا . ولقد حاول قوم من قريش أن يتهموه بالسحر والجنون ثم أقروا أنه ليس بساحر ولا بمجنون وتابعوه وآمنوا بما جاء به . أما وذلك ثابت يقينا ، فما يأباه العلم وتتنزه عنه قواعده إنما هو إنكار حدوث الوحي ، والحط من قدر صاحبه ونعته بأوصاف ينكرها العلم ولا يقرها . والعالم النزيه القصد إلى الحق لا يستطيع أكثر من أن يقرّر أن ما وصل إليه العلم حتى هذا الزمان يقصر دون تفسير الوحي على الطريقة العلمية ، ولكنه لا يمكنه أن ينكر بحال من الأحوال حدوث ظاهرات هذا الوحي مما وصف أصحاب النبي وكتّاب الصدر الأول للإسلام ، فإن أنكرها وحاول تأويلها واتخذ العلم باطلا وسيلة إلى ذلك كان مبطلا متعنتا . والتعنت والعلم لا يتّفقان . الطعن في محمد عجز عن الطعن في رسالته ولئن دلّ هذا العنت على شيء لعلى شدة حرص أصحابه على التشكيك في الإسلام ، وهم لم يستطيعوا الطعن على هذا الدين وقد رأوه دينا بلغ غاية السموّ مع بساطة ويسرهما مصدر قوّته ؛ لذلك لجأوا إلى حجة العاجز حين يدع الأثر العظيم لا يعرض له بمطعن لأن المطاعن لا ترقى إليه ، فهو يتناول من صدر هذا الأثر عنه أو كان وسيلته إلى الناس فيجعله هدف مطاعنه ، وهذا عجز لا يلجأ إليه عالم ، وهو بعد مناقض لقانون الطبيعة الإنسانية . ففي طبيعة الناس أن يعنوا بالآثار لذاتها ، وأن يستمتعوا بثمراتها دون بحث لا طائل تحته في مصدرها ووسيلة حدوثها ونموها . وهم لذلك لا يعنّون أنفسهم بالبحث في أصل الشجرة التي أنبتت الثمرة التي تعجبهم ، ولا في السماد الذي أدّى إلى ازدهارها ، ما داموا لا يفكرون في غرس شجرة مثلها أو شجرة أشهى منها ثمرا . وهم حين يبحثون في فلسفة « أفلاطون » أو مسرحيات « شكسبير » أو عن « رفائيل » لا يتلمّسون المطاعن في حياة هؤلاء العظماء عنوان مجد الإنسانية وفخارها حين لا يجدون على هذه الآثار مطعنا ، فإذا تلمّسوا المطاعن التي لا سند لها من الحق ، لم يبلغوا من ذلك غايتهم وإن كشفوا عن سوء رأي وحقد يسقط حجتهم ويحول دون الاستماع لهم . ولن يغيّر من ذلك أن يفرغ هذا الحقد في قالب العلم ؛ فالحقد لا يعرف الحقيقة . وكبرت الحقيقة أن يكون الحقد لها مصدرا . وهذا شأن مطاعن أولئك المستشرقين على النبي العربي خاتم المرسلين ؛ ولذلك هوت مطاعنهم إلى الحضيض . فرغت الآن من تفنيد رأي أولئك المستشرقين الذين استندت إليهم رسالة ذلك المصري المسلم ، وأقمت الدليل على فساده ، فلأنتقل إلى طائفة أخرى من الملاحظات التي أبداها بعض المشتغلين بالعلوم الدينية من المسلمين بعد ظهور الطبعة الأولى . وأكبر ظني ألا تتكرر أمثال هذه المطاعن الوضيعة التي يأباها العلم وينكرها . فربما كان لهؤلاء المستشرقين من العذر عن إسرافهم من قبل أنهم كانوا يحسبون أنهم يكتبون للأوروبيين المسيحيين ، وأنهم كانوا يقومون لذلك بواجب قومي أو بواجب ديني تمليه عليهم عقيدتهم وتدفعهم إلى اتخاذ العلم بغيا وسيلتهم إلى أدائه . أمّا اليوم ، وقد توثّقت أسباب الاتصال بالبرق والإذاعة ، وبعد أن وثقت الصحافة والطباعة بين أجزاء العالم ، فقد