محمد حسين هيكل

336

حياة محمد ( ص )

القرآن والعلم هذا النظام الخلقي الذي نزل به القرآن للمدينة الفاضلة ، لا يدعو إلى حرمان النفس مما خلق اللّه من أنعم ، حتى لا يؤدي بها الحرمان إلى ما يؤدي إليه الإمعان في التقشف من انصراف التفكير في الكون ، وزهد في العلم بما فيه . وهو لا يرضى أن يسلم الإنسان نفسه للاستمتاع حتى لا يغرقها في لجة الترف وينسيها كل ما سواه . بل هو يجعل الناس أمة وسطا ، ويوجههم وجهة الفضيلة الخالصة ووجهة المعرفة للكون وكل ما فيه . والقرآن يتحدّث عما في الكون من خلق اللّه حديثا يوجّهنا إلى غاية ما نستطيع معرفته من أمره . فهو يتحدّث عن الأهلّة ، وعن الشمس والقمر ، وعن الليل والنهار ، وعن الأرض وما خلق فيها ، والسماء وزينة كواكبها ، وعن البحر يزجى اللّه الفلك فيه لنبتغي من فضله ، وعن الأنعام التي نركبها وزينة ، وعن كل ما في الكون من علم وفن . يتحدّث القرآن عن هذا كله ، ويدعو إلى النظر فيه وإلى دراسته ، وإلى الاستمتاع باثاره وثمراته شكرا للّه على نعمته . أمّا وقد أدّب القرآن الناس بأدبه ودعاهم إلى السعي وإلى الدأب لمعرفة كل ما في الكون ، فما أجدرهم أن يصلوا من نظرهم من طريق العقل إلى غاية ما يستطيع العقل إدراكه ! وما أجدرهم أن يقيموا نظامه الاقتصادي على أساس فاضل ! النظام الاقتصادي وتحريم الربا النظام الاقتصادي ، الذي يقوم على ما قدّمنا من أسس خلقية وروحية ، جدير بأن يصل بالناس إلى السعادة ، وبأن يمحو من الأرض الشقاء . فهذه المبادئ السامية التي يحرص القرآن على أن تحلّ من النفس محل العقيدة والإيمان تأبى على صاحبها أن يرى في الأرض شقاء أو نقصا يستطيع إزالته ثم لا يزيله . وأوّل ما ينكره من تأدّب بهذا الأدب ، الربا : أساس الحياة الاقتصادية الحاضرة ، ومصدر شقاء الناس جميعا . ولذلك حرّمه الإسلام تحريما قاطعا . يقول تعالى : ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ) « 1 » . ويقول : ( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ) « 2 » . تحريم الربا قاعدة أساسية للحضارة التي تكفل للعالم سعادته . فالربا في أقل صورة ضررا إنما هو اشتراك رجل لا يعمل في ثمرات عمل غيره بلا سبب إلا أنه أقرضه مالا ، بحجة أنه أعان هذا الغير بما أقرضه على إدراك هذه الثمرات ، وأنه لو لم يفعل لما استطاع مدينه أن يعمل وأن يجني هذه الثمرات . ولو أن هذه الصورة كانت وحدها صورة الربا لما كانت مع ذلك مسوّغة له . فلو أن الذي يقرض المال كان قديرا على أن يثمّره بنفسه لما أقرضه غيره . ولو أنه أبقاه عنده لبقي معطّلا لا يؤتي ثمرة ولأكله صاحبه شيئا فشيئا . فإذا أراد الاستعانة بغيره في تثمير ماله مقابل الحصول على حظ من ثمرته ، لم تكن وسيلة ذلك أن تفرض لرأس المال فائدة معينة ، وإنما تكون وسيلته أن يشارك صاحب المال من يثمّر هذا المال في مقابل حصته من الثمرة . فإن ربح المثمّر كان لرب المال من ذلك الربح نصيبه ، وإن خسر كان عليه من الخسارة نصيبه . فأما أن تفرض لرأس المال فائدة ولو لم يفد من ثمّره شيئا فذلك هو الاستغلال غير المشروع . ولا يعترض بأن المال عرض كغيره يؤجّر كما تؤجر الأرض أو كما تؤجر الدابة ، وأن فائدة النقد تقابل إيجار غيره من العروض ؛ فبين المال الذي يصلح للإنفاق كما يصلح للتثمير والذي ينتفع به في الخير وتجلب به أسباب الإثم ، وبين غيره من الأموال الثابتة والمنقولة فرق كبير . فالإنسان لا يستأجر أرضا أو بيتا أو دابة أو أيّا

--> ( 1 ) سورة البقرة آية 275 . ( 2 ) سورة الروم آية 39 .