محمد حسين هيكل

33

حياة محمد ( ص )

وحدة الإسلام في عهد عثمان « والآن ، وقد تبين أن القرآن الذي نتلو هو نص مصحف عثمان لم يتغير ، فعلينا أن نبحث : أهذا النص هو صورة مضبوطة لما جمع زيد بعد الاتفاق على إزالة ما كان في التلاوة من أوجه خلاف قليلة العدد قليلة الخطر ؟ وكل ما لدينا مقنع تمام الإقناع بأن الأمر كذلك . فليس في الأنباء القديمة أو الجديرة بالتصديق ما يلقي على عثمان أية شبهة بأنه قصد إلى تحريف القرآن لتأييد أغراضه . صحيح أن الشيعة أدّعوا من بعد أنه أغفل بعض آيات تزكي عليّا . لكن العقل لا يسوغ هذا الزعم ، فلم يكن قد نجم أي خلاف بين الأمريين والعلويين حين أقرّ مصحف عثمان ، بل كانت وحدة الإسلام قائمة حينذاك لا يهدّدها شيء . ثم إن عليّا لم يكن قد صوّر مطالبه في صورتها الكاملة ؛ فلم يكن غرض من الأغراض إذا ليدفع عثمان إلى ارتكاب إثم ينظر إليه المسلمون بعين المقت غاية المقت . ولقد كان عدد كبير ممن وعت قلوبهم القرآن كما سمعوه حين تلاه النبي أحياء حين جمع عثمان المصحف . فلو أن آيات تزكي عليّا كانت قد نزلت لوجدت نصوصها بين يدي أنصاره الكثيرين . وهذان السببان كانا كفيلين بالقضاء على كل محاولة لإغفال هذه الآيات . يضاف إلى ذلك أن شيعة علي استقلّوا بأمرهم بعد وفاة عثمان وبايعوا عليّا بالخلافة . أفيقبل العقل أنهم ، وقد وصلوا إلى السلطة ، يرضون عن قرآن مبتور ، ومبتور قصدا للقضاء على أغراض زعيمهم ! ؟ مع ذلك ظلّوا يتلون القرآن الذي يتلوه خصومهم ، ولم يثيروا أي ظل من الاعتراض عليه ؟ بل إن عليّا أمر بأن تنشر نسخ كثيرة منه ، ويقال إنه كتب بخط يده عددا منها . صحيح إن الثائرين قد جعلوا من أسباب انتقاضهم أن عثمان جمع القرآن وأمر بإهلاك ما سوى مصحفه من المصاحف . واعتراضهم إنما ينصب على إجراآت عثمان لذاتها ويعتبرونها محرّمة لا تجوز ، لكن لم يشر أحد فيما وراء ذلك إلى تحريف في المصحف أو إبدال ؛ فمثل هذا الزعم كان ظاهر الفساد يومئذ ؛ وإنما أبدعه الشيعة من بعد لأغراضهم . دقة مصحف عثمان وكماله نستطيع أن نستنبط إذا مطمئنين أنّ مصحف عثمان كان وما زال صورة مضبوطة لما جمعه زيد بن ثابت ، مع مزيد في التوفيق بين الروايات السابقة له وبين لهجة قريش ، ثم استبعاد سائر القراءات التي كانت منتشرة في أنحاء المملكة . مع ذلك لا تزال أهمّ مسألة قائمة أمامنا ، هذه المسألة هي : هل كان ما جمعه زيد صورة صادقة كاملة لما أوحي إلى محمد ؟ والاعتبارات الآتية تبعث اليقين بأنه كان مجموعة صادقة بلغت من حيث إنها كاملة كل ما يمكن بلوغه يومئذ : « أوّلا - تمّ الجمع الأول برعاية أبي بكر . وكان أبو بكر تابعا صادق الإخلاص لمحمد كما كان مؤمنا كامل الإيمان بالمصدر القدسي للقرآن ؛ وكان اتصاله الحميم بالنبي خلال السنوات العشرين الأخيرة من حياته ، ومظهره الخلافة مظهر البساطة والحكمة والتنزه عن المطامع ، بحيث لا تدع موضعا لأي فرض آخر . وكان إيمانه بأن ما يوحى إلى صاحبه إنما يوحى إليه من اللّه ذاته ، مما يجعل أول أغراضه أن يكفل جمع هذا الوحي كله مطهرا كاملا . ومثل هذا القول يصدق علي عمر ، وقد تمّ الجمع في خلافته . وهذا القول يصدق كذلك على المسلمين يومئذ جميعا ، لا تفاوت لديهم فيه بين الكاتبين الذين عاونوا على هذا الجمع وبين المؤمن الرقيق الحال الذي يحمل إلى زيد ما عنده من الوحي المكتوب على العظام أو على أوراق الشجر ؛ فقد كانوا جميعا تتساوى رغبتهم الصادقة في استظهار العبارات والألفاظ التي تلاها عليهم نبيهم على أنها رسالة من عند اللّه . وقد كان الحرص على الدقة قائما بشعور الناس جميعا ؛ لأنه لم ينغرس في نفوسهم شيء ما أنغرس