محمد حسين هيكل
329
حياة محمد ( ص )
العون لتقوية ضعفنا وهدايتنا إلى الحق ، أن نرى مبلغ تساوي الناس جميعا في الضعف الذي لا يشدّ من أزره أمام اللّه مال ولا جاه ، وإنما يشدّ من أزره الإيمان الصادق والخضوع للّه والبرّ والتقوى . شتّان ما بين هذه المساواة التامة الصحيحة أمام اللّه ، وبين ما كانت تتحدّث عنه الحضارة الغربية في العصور الأخيرة من المساواة أمام القانون . ولقد بلغت هذه الحضارة الآن أن كادت تنكر هذه المساواة أمام القانون ، ولا توجب احترامه على طائفة من الناس . شتان ما بين هذه المساواة أمام اللّه ، مساواة تمسّها حقيقة ملموسة في ساعة الصلاة وتهتدي إليها برأيك الحرّ ، وبين مساواة في النضال لكسب المال نضالا يبيح الخديعة والنفاق ، ثم ينجو صاحبه من سلطان القانون ما مهر في التحايل عليه وبرع في حسن العبث به . هذه المساواة أمام اللّه تدعو إلى الإخاء الصادق ؛ لأنها تشعر الناس جميعا بأنهم إخوة في العبودية لخالقهم والعبودية له وحده . وهذا إخاء يقوم على تقدير سليم ونظر حرّ وتدبّر فرضه القرآن . وهل حرية وإخاء ومساواة أعظم من وقوف هذا الجمع أمام اللّه تعنو له جميعا جباههم ، إيّاه يكبّرون وله يركعون ويسجدون ، لا تفاوت في ذلك بين أحدهم وأخيه ، وكلهم مستغفر تائب مستعين ، وليس بين أحدهم وبين اللّه إلا عمله الصالح وما قدّم من برّ وتقوى . إخاء هذا شأنه يصفي القلوب ويطهرها من قذى المادة ، ويكفل للناس السعادة كما يؤدّي بهم إلى إدراك سنة اللّه في الكون ما هداهم اللّه بنوره إلى هذا الهدى . الصوم الناس جميعا ليسوا سواء في القدرة على ما أمر اللّه به من التقوى . فقد يثقل جسمنا روحنا وتطغى مادّيتنا على إنسانيتنا إذ لم ندم رياضة الروح ولم نتوجه بقلوبنا للّه أثناء صلواتنا ، واكتفينا بأوضاع الصلاة من ركوع وسجود وتلاوة ؛ لذلك وجب جهد الطاقة أن نكفّ عما يجعل الجسم يثقل الروح ويجعل الماديّة تطغى على الإنسانية . ولذلك فرض الإسلام الصوم وسيلة لبلوغ مرتبة التقوى . قال تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) « 1 » . والتقوى والبرّ سواء ، فالبرّ من اتّقى ، والبرّ من آمن باللّه واليوم الآخر والملائكة والنبيين ، وقام بما ورد في الآية التي أسلفنا . وإذا كان القصد من الصوم ألّا يثقل الجسم الروح ، وألّا تطغى مادّيتنا على إنسانيتنا ، فالوقوف به عند الإمساك من الفجر إلى الليل والإمعان بعد ذلك في الاستمتاع باللّذّات تفويت لهذا القصد . فالإمعان في الاستمتاع مفسدة لذاته ومن غير صيام ، ما بالك به إذا صام المرء أو أمسك طيلة نهاره عن كل طعام وشراب ولذّة ، فإذا انقضى وقت الصيام أسلم نفسه لما يحسبها حرمته أثناء النهار من نعمة ! إنه إذا ليشهد اللّه على أنه لم يصم تطهيرا لجسمه وسموّا بإنسانيته ، ولم يصم لذلك مختارا إيمانا منه بفائدة الصوم في حياتنا الروحية ، بل صام أداء لفرض لا يدرك بعقله ضرورته ، ويرى فيه حرمانا له من حرية سرعان ما يستردّها آخر النهار حتى ينهمك في لذاته استعاضة عما حرم بالصوم منها . ومن يفعل ذلك فشأنه كشأن من لا يسرق لأن القانون يحرّم عليه السرقة ، لا لأنه يسمو بنفسه عنها ويحرّمها على نفسه وعلى غيره مختارا . الصوم ليس حرمانا وفي الحق أن النظر إلى الصيام على أنه حرمان وحدّ من حرية الإنسان نظر خاطئ يجعل الصيام عبثا لا محلّ له . إنما الصيام طهور للنفس يوجبه العقل عن اختيار من الصائم كي يستردّ به حرية إرادته وحريّة
--> ( 1 ) سورة البقرة آية 183 .