محمد حسين هيكل
327
حياة محمد ( ص )
عقيمة تضل ولا تهدي ، وتضرّ ولا تنفع . وهي بعد لا تزيدنا علما . ولطالما أجهد الكتاب والفلاسفة أنفسهم يحاول بعضهم حلّها ، ويحاول بعضهم معرفة جوهر الخالق جلّ شأنه ، فذهب جهدهم عبثا ، وأقرّ بعضهم بأنها فوق ما نطيق إدراكه - ولئن قصر عقلنا دون هذا الإدراك ليكون هذا القصور أدنى إلى تثبيت إيماننا . فشعورنا اليقيني بوجوده جلّ شأنه وبإحاطته بكل شيء علما ، وبأنه الخالق المصوّر إليه يرجع الأمر كله ، من شأنه أن يقنعنا بأنا لن نستطيع أن ندرك كنهه على شدّة إيماننا به . وإذا كنا حتى اليوم لا ندرك ما الكهربا وإن شهدت أعيننا آثارها ، وكانت تكفينا هذه الآثار لنؤمن بالكهربا والأثير ، فما أشدّنا غرورا ونحن نشهد كل يوم من بديع صنع اللّه إذا نحن لم نؤمن به حتى نعرف كنهه ، تنزّه جلّ شأنه عما يصفون . والواقع في الحياة أن الذين يحاولون تصوير ذاته جلّ شأنه هم الذين يعجز إدراكهم عن السموّ إلى تصوّر ما فوق حياتنا الإنسانية ، والذين يريدون أن يقيسوا الوجود وخالق الوجود بمقاييسنا النسبية المحصورة في حدود علمنا القليل . أمّا الذين أوتوا العلم حقّا فيذكرون قوله تعالى : ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) « 1 » . وتمتلئ قلوبهم إيمانا بخالق الروح وخالق الكون كله ، ثم لا يزجّون بأنفسهم في مضاربات عقيمة لا ثمرة لها ولا نتيجة . ويفرّق القرآن بين الإسلام بعد الإيمان والإسلام دون إيمان . يقول تعالى : ( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) « 2 » . الإيمان أسس الإسلام فمثل هذا الإسلام إذعان لدعوة الداعي عن رغبة أو رهبة أو إعجاب وتقديس دون امتثال النفس هذه الدعوة وفهمها إيّاها إلى حدّ الإيمان بها . فصاحبه لم يهده اللّه للإيمان عن طريق النظر في الكون ومعرفة سننه ، والاهتداء من هذا النظر وهذه المعرفة إلى خالقه ، وإنما أسلم لرغبة أو هوى أو لأنه وجد آباءه مسلمين . وهو لذلك لم يدخل الإيمان في قلبه على رغم إسلامه . من أمثال هذا المسلم من يخادعون اللّه والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . في قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضا . وهؤلاء الذين يسلمون دون إيمان ، وإنما يسلمون عن رغبة أو رهبة أو هوى ، تظل نفوسهم ضعيفة وعقائدهم مزعزعة وقلوبهم مستعدّة للإذعان للناس والخضوع لأمرهم . فأمّا الذين تصل عقولهم وقلوبهم إلى أن تؤمن باللّه من طريق النظر في الكون إيمانا صادقا ، يدعوهم إلى أن يسلموا للّه وحده أمرهم ، فأولئك لا يعرفون لغير اللّه خضوعا ولا إذعانا . وهم لا يمنّون على أحد إسلامهم ، ( بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) « 3 » . فمن أسلم وجهه للّه وهو مؤمن فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، أولئك لا يخافون في الحياة فقرا ولا مذلة لأن الإيمان غاية الغنى وغاية العزّة . والعزّة للّه جميعا وللمؤمنين . والنفس الراضية المطمئنة إلى هذا الإيمان لا تستريح إلا في الدأب لمعرفة أسرار الكون وسننه كيما تزداد باللّه اتّصالا . وسبيلها إلى هذه المعرفة البحث والنظر في خلق اللّه مما في الكون نظرا علميّا دعا القرآن إليه وجدّ المسلمون الأوّلون فيه ، وهو الطريقة العلمية الحديثة في الغرب . على أن الغاية منه تختلف في الإسلام عنها في الحضارة الغربية . فهي في الإسلام ترمي إلى أن يجعل الإنسان من سنّة اللّه في الكون سنّته ونظامه ، على حين ترمي في الغرب إلى الاستفادة المادية مما في الكون . وهي في الإسلام ترمي أوّلا وقبل كل شيء ، إلى حسن
--> ( 1 ) سورة الإسراء آية 85 . ( 2 ) سورة الحجرات آية 14 . ( 3 ) سورة الحجرات آية 17 .