محمد حسين هيكل

318

حياة محمد ( ص )

رجوع الجيش إلى المدينة وكان أسامة بن زيد قد رأى النبيّ صباح ذلك اليوم حين خرج إلى المسجد وظن كما ظن المسلمون جميعا أنه تعافى ، فذهب ومن كان قد عاد إلى المدينة من الجيش المسافر إلى الشام ولحق بالمعسكر بالجرف ، وأمر الجيش بالتجهز للمسير . وإنه لكذلك إذ لحق به الناعي نذيرا بوفاة النبي ، فعاد أدراجه وأمر الجيش فرجع كله إلى المدينة ؛ ثم ذهب هو فركز علمه عند باب عائشة ، وانتظر ما سيكون من أمر المسلمين من بعد . وفي الحقّ أنّ المسلمين كانوا من أمرهم في حيرة . فهم لم يلبثوا حين سمعوا أبا بكر وحين أيقنوا أن محمدا قد مات ، أن تفرّقوا ، فإنحاز حيّ من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ، واعتزل عليّ بن أبي طالب والزّبير بن العوّام وطلحة بن عبيد اللّه في بيت فاطمة ، وانحاز المهاجرون ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل إلى أبي بكر . وإن أبا بكر وعمر لكذلك إذ أتى آت ينبئهما بنبأ الأنصار الذين انحازوا إلى سعد بن عبادة ، ثم يردف النبأ بقوله : فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله . قال عمر موجها حديثه إلى أبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه . وإنهم لفي طريقهم إذ لقيهم من الأنصار رجلان صالحان ، فذكرا للمهاجرين ما تمالأ عليه القوم وسألاهم : أين يريدون ؟ فلمّا علما أنهم يريدون الأنصار قالا ؛ لا عليكم ألّا تقرّبوهم ؛ يا معشر المهاجرين اقضوا أمركم . قال عمر : واللّه لنأتينّهم . وانطلقوا حتى نزلوا بهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل . قال عمر بن الخطاب : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة ، به وجع . فلما جلس المهاجرون قام خطيب الأنصار فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أمّا بعد ، فنحن أنصار اللّه وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفّت دافّة من قومكم وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر . مقالة أبي بكر للأنصار وكانت هذه روح الأنصار أثناء حياة النبيّ . لذلك لم يكد عمر يسمع هذا الكلام حتى أراد أن يدفعه : فأمسك به أبو بكر مخافة شدّته وقال : على رسلك يا عمر ! ثم قال موجها كلامه للأنصار : « أيها الناس ! نحن المهاجرين أوّل الناس إسلاما ، وأكرمهم أحسابا ، وأوسطهم دارا ، وأحسنهم وجوها ، وأكثرهم ولادة في العرب ، وأمسهم رحما برسول اللّه : أسلمنا قبلكم ، وقدّمنا في القرآن عليكم ، فقال تبارك وتعالى : ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ ) « 1 » . فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار ؛ إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء ، وأنصارنا على العدوّ . وأما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، وأنتم أجدر بالثناء من أهل الأرض جميعا . فأما العرب فلن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش . فمنّا الأمراء ومنكم الوزراء » . هناك استشاط أحد الأنصار غضبا وقام فقال : « أنا جذيلها « 2 » المحكّك ، وعذيقها المرجّب . منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش » . قال أبو بكر : بل منا الأمراء ومنكم الوزراء ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم ؛ وأخذ بيد عمر بن

--> ( 1 ) سورة التوبة آية 100 . ( 2 ) الجذيل : تصغير الجذل وهو أصل الشجرة . والمحكك : الذي تتحكك به الإبل الجربى . والعذيق : تصغير العذق ( بفتح العين ) وهو النخلة . والمرجب : الذي جعل له رجبة وهي دعامة تبنى حوله من الحجارة ، وذلك إذا كانت النخلة كريمة وطالت تخوفوا عليها أن تنقعر من الرياح العواصف . يريد أنه قد جربته الأمور وله رأي وعلم يشتفي بهما ، كما تشتفي الإبل الجربى باحتكاكها بالجذل .