محمد حسين هيكل
305
حياة محمد ( ص )
في محقّتها . سار وتبعه هذا الجمع الزاخر ، يذكر طائفة من المؤرّخين أنه كان تسعين ألفا ، ويذكر آخرون أنه كان أربعة ومائة ألف : ساروا يحدوهم الإيمان وتملأ قلوبهم الغبطة الصادقة لسيرهم إلى بيت اللّه الحرام يؤدون عنده فريضة الحجّ الأكبر . فلمّا بلغوا ذا الحليفة نزلوا وأقاموا ليلتهم بها . فلما أصبحوا أحرم النبيّ وأحرم المسلمون معه ، فلبس كلّ منهم إزاره ورداءه وصاروا ينتظمهم جميعا زيّ واحد هو أبسط ما يكون زيّا ، وقد حققوا بذلك المساواة بأسمى معانيها وأبلغها . وتوجّه محمد بكل قلبه إلى ربه ونادى ملبّيا والمسلمون من ورائه : « لبيك اللهم لبّيك لا شريك لك لبيك . الحمد والنعمة والشكر لك لبّيك . لبّيك ، لا شريك لك لبيك » . وتجاوبت الأودية والصحاري بهذا النداء تلبي كلها وتنادي بارئها مؤمنة عابدة . وانطلق الركب بألوفه وعشرات ألوفه يقطع الطريق بين مدينة الرسول ومدينة المسجد الحرام ، وهو ينزل عند كل مسجد يؤدّي فيه فرضه ، وهو يرفع الصوت بالتلبية طاعة للّه وشكرا لنعمته ، وهو ينتظر يوم الحج الأكبر نافذ الصبر مشوق القلب ممتلئ الفؤاد لبيت اللّه هوى ومحبة ، وصحاري شبه الجزيرة وجبالها وأوديتها وزروعها النضرة في دهش مما تسمع وتتجاوب به أصداؤها مما لم تعرف قطّ قبل أن يباركها هذا النبيّ الأمّي عبد اللّه ورسوله . الاحلال بالعمرة فلما بلغ القوم سرفا ، وهي محلّة في الطريق بين مكة والمدينة ، قال محمد لأصحابه : من لم يكن منكم معه هدي فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل ، ومن كان معه هدي فلا . وبلغ الحجيج مكة في اليوم الرابع من ذي الحجّة ، فأسرع النبيّ والمسلمون من بعده إلى الكعبة ، فاستلم الحجر الأسود فقبّله ، وطاف بالبيت سبعا هرول في الثلاث الأولى منها على نحو ما فعل في عمرة القضاء . وبعد أن صلى عند مقام إبراهيم عاد فقبّل الحجر الأسود كرة أخرى ، ثم خرج من المسجد إلى ربوة الصّفا ، ثم سعى بين الصفا والمروة . ثم نادى محمد في الناس أن لا يبق على إحرامه من لا هدي معه ينحره . وتردّد بعضهم ، فغضب النبيّ لهذا التردّد أشد الغضب وقال : ما آمركم به فافعلوه . ودخل قبّته مغضبا . فسألته عائشة . ما أغضبك ؟ فقال : ومالي لا أغضب وأنا آمر أمرا فلا يتّبع ! . ودخل أحد أصحابه وما يزال غضبان ، فقال : من أغضبك يا رسول اللّه أدخله اللّه النار . فكان جواب الرسول : أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يتردّدون ! ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه ، ثم أحل كما حلّوا . كذلك روى مسلم . فلما بلغ المسلمين غضب رسول اللّه حلّ الألوف من الناس إحرامهم على أسف منهم ، وحلّ نساء النبيّ وحلّت ابنته فاطمة مع الناس ، ولم يبق على إحرامه إلا من ساق الهدي معه . عودة عليّ من اليمن وبينما المسلمون في حجّهم أقبل عليّ عائدا من غزوته باليمن وقد أحرم للحج لمّا علم أن رسول اللّه حج بالناس . ودخل على فاطمة فوجدها قد حلّت إحرامها . فسألها فذكرت له أن النبي أمرهم أن يحلوا بعمرة . فذهب إلى النبي فقصّ عليه أخبار سفرته باليمن . فلما أتمّ حديثه ، قال له النبي : انطلق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ أصحابك . قال عليّ : يا رسول اللّه ، إنني أهللت كما أهللت . قال النبي : إرجع فأحلل كما حلّ أصحابك . قال عليّ : يا رسول اللّه إني قلت حين أحرمت : اللهم إني أهدل بما أهلّ به نبيك وعبدك ورسولك محمد . فسأله النبيّ : أمعه هدي ؟ فلما نفي عليّ أشركه محمد في هديه ، وثبت عليّ على إحرامه وأدّى مناسك الحج الأكبر .