محمد حسين هيكل
303
حياة محمد ( ص )
( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) « 1 » . وفي سورة المائدة كذلك يقول تعالى : ( وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) « 2 » . إلى آخر الآيات التي نقلنا في تقديم هذا الكتاب : وسورة المائدة هي التي من بين آياتها الآية التي يحتج بها المؤرخون من النصارى ، ويتّخذونها دليلا على تطوّر موقف محمد منهم لتطوّر أحواله السياسية ؛ إذ يقول تعالى : ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) « 3 » . والآيات التي نزلت في سورة براءة وتحدّثت عن أهل الكتاب لم تتحدّث عنهم في إيمانهم بالمسيح بن مريم ، وإنما تحدّثت عنهم وعن شركهم باللّه وفي أكلهم أموال الناس بالباطل وفي كنزهم الذهب والفضة . والإسلام يرى ذلك خروجا من أهل الكتاب على دين عيسى ، يجعلهم يحلّون ما حرّم اللّه ويصنعون صنيع من لا يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر . وهو مع ذلك يجعل من إيمانهم باللّه ، على الرغم من ذلك كله ، شفيعا لهم لا تجوز معه مساواتهم بالوثنيين ، ويكفي معه ، إن هم أصروا على أن يجعلوا اللّه ثالث ثلاثة وعلى أن يحلوا ما حرّم اللّه ، أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون . كانت هذه الدعوة التي أذّن عليّ بها ، يوم حجّ أبي بكر بالناس ، آية إسلام الناس من أهل الجنوب في شبه الجزيرة ودخولهم في دين اللّه أفواجا . فقد توالت الوفود تترى على المدينة كما قدّمنا من قبل ، ومن بينها وفود من المشركين ووفود من أهل الكتاب . وكان النبيّ يكرم كل وافد عليه ويردّ الأمراء مكرمين إلى إماراتهم . من ذلك ما سبق لنا ذكره في الفصل الماضي ، ومنه أن الأشعث بن قيس قدم في وفد كندة في ثمانين راكبا ، دخلوا المسجد على النبيّ وقد رجّلوا لممهم وتكحّلوا ولبسوا جبب الحبر بطّنوها بالحرير ، فلما رآهم النبي قال : ألم تسلموا ؟ قالوا : بلى . قال : فما هذا الحرير في أعناقكم ، فشقّوه . وقال له الأشعث : يا رسول اللّه ، نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار فتبسم النبيّ ونسب ذلك إلى العبّاس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث . وقدم وائل بن حجر الكنديّ مع الأشعث وكان أمير بلاد الشاطئ من حضرموت فأسلم ، فأقره النبي في إمارته على أن يجمع العشر من أهل بلاده ليرده إلى جباة الرسول . وكلّف النبي معاوية بن أبي سفيان أن يصحب وائلا إلى بلاده . وأبي وائل أن يردفه أو أن يعطيه نعليه يتقي بهما حمّارّة القيظ مكتفيا بأن يدعه يسير في ظلّ بعيره . وقبل معاوية ذلك على مخالفته لما جاء به الإسلام من التسوية بين المسلمين ومن جعل المؤمنين إخوة ، حرصا على إسلام وائل وقومه . وحدة العرب في ظل الإسلام ولما انتشر الإسلام في ربوع اليمن ، أوفد النبي معاذا إلى أهله يعلّمهم ويفقههم وأوصاه قائلا : « يسّر
--> ( 1 ) الآيات من 73 إلى 75 . ( 2 ) آية 116 . ( 3 ) آية 82 .