محمد حسين هيكل

284

حياة محمد ( ص )

الفصل السابع والعشرون تبوك وموت إبراهيم الخراج وجبايته - أنباء تهيؤ الروم - نفير محمد في المسلمين ليتهيئوا للقتال بالشام - الخوالف المنافقون - شدة محمد معهم - الجيش العرم - في لظى الطريق إلى الشام - انسحاب الروم خوفا من محمد - عهده ليوحنا ولأمراء الحدود - العود إلى المدينة - مرض إبراهيم ووفاته وبكاء محمد إياه . اقتضاء الزكاة والخراج لم يغيّر هذا الحادث المنزلي وهذا الإضراب والاضطراب بين النبي وأزواجه من سير الشؤون العامة شيئا . وكانت الشؤون العامة بعد فتح مكة وإسلام أهلها قد بدأ يتضاعف خطرها ، وقد بدأت العرب جميعا تحسّ جلال هذا الخطر . فالبيت الحرام كان بيت العرب المقدّس يحجون إليه منذ أجيال طويلة . وهذا البيت الحرام وما يتصل به من سدانة ورفادة وسقاية وما يتصل بالحج من مختلف الشعائر ، قد أصبح في حكم محمد وفي حكم الدين الجديد . فلا جرم إذا أن تزداد شؤون المسلمين العامة لفتح مكة ، وأن يزداد المسلمون إحساسا بسلطانهم في كل ناحية من شبه الجزيرة . وازدياد الشؤون العامة يحتاج بطبعه إلى مزيد في النفقات العامة . لذلك لم يكن بد من أن يدفع المسلمون زكاة العشر ، وأن يدفع العرب الذين أصرّوا على جاهليتهم ما يفرض عليهم من خراج . قد يحرجهم ذلك ، وقد يدعوهم إلى التذمّر وإلى أكثر من التذمّر ؛ لكن ما اتصل بالدين الجديد من نظام في شبه الجزيرة جديد لم يجعل من جمع العشر والخراج مخرجا . ولهذه الغاية أوفد محمد عاشريه بعد قليل من عوده من مكة ليجمعوا له عشر إيراد القبائل التي دانت للإسلام من غير أن يتعرضوا لأصول أموالها . وذهب كل واحد من هؤلاء وجهته ، فتلقتهم القبائل بالترحاب ودفعت لهم زكاة العشر طيّبة بدفعها نفوسهم ؛ لم يندّ عن ذلك غير فرع من بني تميم وغير بني المصطلق . فبينما كان العاشر يقتضي قبائل في جوار بني تميم زكاة العشر وهم يدفعونها من إبلهم وأموالهم ، سارعت إليه بنو العنبر ( فخذ من بني تميم ) قبل أن يطالبها بزكاتها تحمل نبالها وسيوفها وطردته من أرضها . فلمّا بلغ الخبر محمدا بعث إليهم عيينة بن حصن على رأس خمسين فارسا انقضّوا عليهم في سرّ منهم ففرّوا ، وأصاب المسلمون الأسرى والسبايا وهم يزيدون على خمسين رجلا وامرأة وطفلا وعادوا موفورين إلى المدينة ، وحبس النبيّ هؤلاء الأسرى . وكان من بني تميم جماعة أسلموا وقاتلوا إلى جانب النبيّ عند فتح مكة وفي حنين . وكان منهم من لا يزال على جاهليّته . فلمّا عرفوا ما أصاب أصحابهم من بني العنبر أرسلوا إلى النبيّ وفدا من أشرافهم نزلوا إلى المدينة ودخلوا المسجد ونادوا النبيّ من وراء حجراته أن