محمد حسين هيكل

274

حياة محمد ( ص )

وفد هوازن يستردون السبايا وانصرف محمد والمسلمون معه عن الطائف قافلين إلى مكة حتى نزلوا الجعرانة حيث تركوا غنائمهم وأسراهم . وهنالك نزلوا يقتسمون . وفصل الرسول الخمس لنفسه ووزع ما بقي على أصحابه . وإنهم بالجعرانة إذ جاء وفد من هوازن قد أسلموا وهم يرتجون أن يرد عليهم أموالهم ونساءهم وأبناءهم ، بعد أن طال عنهم غيابهم ، وبعد أن ذاقوا مرارة ما حلّ بهم . ولقي الوفد محمدا ، وخاطبه أحدهم قائلا : يا رسول اللّه ، إنما في الحظائر عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللواتي كن يكفلنك . ولو أنّا ملحنا « 1 » للحارث بن أبي شمر ، أو للنعمان بن المنذر ، ثم نزل منّا بمثل الذي نزلت به ، رجونا عطفه وعائدته علينا ؛ وأنت خير المكفولين . ولم يخطئ هؤلاء في تذكير محمد بصلته بهم وقرابته منهم ؛ فقد كانت بين السبايا امرأة تخطّت الكهولة عنف عليها الجند المسلمون ؛ فقالت لهم : تعلموا واللّه إني لأخت صاحبكم من الرّضاعة . فلم يصدّقوها وجاؤوا بها محمدا ، فعرفها فإذا هي الشّيماء بنت الحارث بن عبد العزّى . وأدناها محمد منه وبسط لها رداءه وأجلسها عليه ، وخيّرها إن أحبّت أبقاها وإن أحبّت متّعها ورجعها إلى قومها ؛ فاختارت الرجوع إلى قومها . طبيعيّ وتلك صلة محمد بهؤلاء الرجال الذين أقبلوا عليه من هوازن مسلمين ، أن يعطف عليهم وأن يجيبهم إلى مطلبهم ؛ فقد كان ذلك دائما شأنه مع كل من أسدى إليه يوما من الدهر يدا . كان عرفان الجميل بعض شأنه ، والبرّ بكليم القلب في جبلّته . فلمّا سمع مقالتهم سألهم : أبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم ؟ قالوا : يا رسول اللّه خيّرتنا بين أموالنا وأحسابنا ! بل تردّ علينا نساءنا وأبناءنا فهم أحبّ إلينا . فقال عليه السلام : أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم . وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول اللّه إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول اللّه في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم . ونفّذت هوازن قول النبيّ ، فأجابهم : أمّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم . قال المهاجرون : وما كان لنا فهو لرسول اللّه ، وكذلك قال الأنصار . أما الأقرع بن حابس عن تميم وعيينة بن حصن فرفضا ، ورفض العباس بن مرداس عن بني سليم ؛ لكن بني سليم لم يقرّوا العبّاس على رفضه . هنالك قال النبيّ : أمّا من تمسّك منكم بحقّه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أوّل سبي أصيبه . وكذلك ردّت نساء هوازن وأبناؤها إليها بعد أن أعلنت إسلامها . وسأل محمد وفد هوازن عن مالك بن عوف النّصريّ . فلمّا علم أنه ما يزال بالطائف مع ثقيف ، طلب إليهم أن يبلغوه : أنه إن أتاه مسلما ردّ عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل . ولم يبطئ مالك حين علم بوعد الرسول أن أسرج فرسه في سرّ من ثقيف ، وأن نجا بها حتى لحق بالرسول ، فأعلن إسلامه فأخذ أهله وماله ومائة من الإبل . وأوجس الناس خيفة إن أفشى محمد هذه الأعطيات لمن يفدون عليه أن تنقص من قسمتهم من الفيء ، فألحّوا في أن يأخذ كلّ فيأه وتهامسوا بذلك . فلمّا بلغ الهمس النبيّ وقف إلى جانب بعير فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها وقال : « أيها الناس ، واللّه مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم » . وطلب إلى كلّ أن يردّ ما غنم حتى تكون القسمة العدل ، « فمن أخذ شيئا في غير عدل ولو كان إبرة كان على أهله عارا ونارا وشنارا إلى يوم القيامة » . قال محمد هذه العبارة مغضبا بعد أن ردّوا إليه رداءه الذي أخذوا ، وبعد أن صاح بهم : ردوا إليّ ردائي

--> ( 1 ) أي . أرضعناه .