محمد حسين هيكل

272

حياة محمد ( ص )

نخلة ، ثم ولى وجهه نحو الطائف فاحتمى بها . هزيمة المشركين تامة وكذلك كان نصر المؤمنين مؤزّرا ، وكانت هزيمة المشركين تامّة بعد ذلك الفزع الذي أصاب المسلمين في عماية الصبح ، وحين شدّ المشركون عليهم شدّة رجل واحد ضعضعت صفوفهم وخلطت حابلهم بنابلهم . كان نصر المسلمين مؤزّرا بفضل ثبات محمد والفئة القليلة التي أحاطت به . وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ . ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) « 1 » . على أن المسلمين لم يحرزوا هذا النصر المؤزّر رخيصا ، بل دفعوا ثمنا غاليا لعلهم لم يكونوا يدفعونه لولا تخاذلهم الأوّل وتدافعهم مهزومين ، ليقول فيهم أبو سفيان : إنهم لا يردّهم إلا البحر . دفعوا الثمن غاليا من مهج الرجال وأرواح الأبطال الذين استشهدوا في الموقعة . ولئن لم تحص كتب السيرة كلّ القتلى ، لقد ذكرت أن قبيلتين من المسلمين فنيتا أو كادتا ، وأن النبيّ صلى على أرواحهم رجاء أن يدخلهم اللّه الجنة . لكنه كان النصر على كل حال : النصر التّامّ تغلّب فيه المسلمون . على خصومهم وغنموا منهم وأسروا ما لم يغنموا ولم يأسروا من قبل . والنصر هو كل شيء في النضال أيّا كان الثمن الذي يدفع فيه ما دام نصرا شريا . لذلك اغتبط المسلمون بما جزاهم اللّه ، وظلّوا يرتقبون قسمة الفيء والعود بالغنيمة . لكن محمدا كان يريده نصرا أكثر روعة وأعظم جلالا . وإذا كان مالك بن عوف هو الذي قاد هذه الجموع ، ثم احتمى بعد هزيمتها مع ثقيف بالطائف ، فليحاصر المسلمون الطائف وليضيقوا عليها الحصار . وتلك كانت خطّة محمد في خيبر بعد أحد ، وفي قريظة بعد الخندق . ولعله ادّكر في موقفه هذا يوم ذهب إلى الطائف لسنوات قبل الهجرة يدعو أهلها إلى الإسلام ، فسخروا منه وقذفه صبيانهم بالأحجار ، حتى اضطرّ إلى الاحتماء من أذاهم بحائط « 2 » فيه كرم . ولعله ادّكر كيف ذهب يومئذ منفردا ضعيفا ، لا حول له ولا قوّة إلا حول اللّه وقوّته ، وإلا هذا الإيمان العظيم الذي ملأ صدره والذي يدكّ الجبال . وها هو ذا الآن يذهب إلى الطائف في جمع من المسلمين لم تشهد جزيرة العرب في ماضي تاريخها جمعا مثله . حصار الطائف أمر محمد أصحابه إذا أن يسيروا إلى الطائف ليحاصروا بها ثقيفا وعلى رأسها مالك بن عوف . وكانت الطائف مدينة محصنّة لها أبواب تغلق عليها كأكثر مدن العرب في ذلك العصر . وكان أهلها ذوي دراية بحرب الحصار ، وذوي ثروة طائلة جعلت حصونهم من امنع الحصون . وقد سار المسلمون إليها فمرّوا في مسيرتهم بليّة حيث يقوم حصن خاص لمالك بن عوف فهدموه ، كما خرّبوا أثناء مسيرتهم كذلك حائطا لرجل من ثقيف . وبلغ المسلمون الطائف ، فأمر النبيّ عسكره فنزل على مقربة منها ، وجمع أصحابه ليفكروا فيما يصنعون . لكن ثقيفا ما لبثت حين رأتهم من أعلى حصونها أن نالتهم بالنبل وقتلت جماعة منهم . ولم يكن من اليسير أن يقتحم

--> ( 1 ) سورة التوبة الآيات من 25 إلى 28 . ( 2 ) الحائط : البستان .