محمد حسين هيكل
263
حياة محمد ( ص )
رسالة بقوّة المسلمين وبأس جيوشهم ، حتى يخرجوا إلى رسول اللّه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة . وكانت قريش قد بدأت ، منذ نزل المسلمون مرّ الظهران ، تشعر بأن خطرا يقترب منها ؛ فأرسلت أبا سفيان بن حرب ، وبديل بن ورقاء ، وحكيم بن حزام قريب خديجة ، يتنسطون الأخبار ، ويستطلعون مبلغ الخطر الذي تحس قلوبها . وإن العباس ليسير على بغلة النبيّ البيضاء إذ سمع حديثا بين أبي سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء كذلك يجري : أبو سفيان - ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا . بديل - هذه واللّه خزاعة حمّشتها الحرب . أبو سفيان - خزاعة أقل وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها . أبو سفيان في حضرة الرسول وعرف العبّاس صوت أبي سفيان ، فناداه بكنيته قائلا : أبا حنظلة ! وأجاب أبو سفيان بدوره : أبا الفضل . قال العبّاس : ويحك يا أبا سفيان ؟ هذا رسول اللّه في الناس . واصباح قريش إذا دخل مكة عنوة ! قال أبو سفيان : فما الحيلة فداك أبي وأمي ؟ فأركبه العباس في عجز البغلة ورد صاحبيه إلى مكة وسار به . والناس إذا رأوا البغلة عرفوها وتركوها تمرّ بمن عليها بين عشرة آلاف أوقدوا نيرانهم لتلقي الرعب في قلب مكة وأهلها . فلمّا مرّت بنار عمر بن الخطاب ورآها عرف أبا سفيان وأدرك أن العباس يريد أن يجيره ، فأسرع إلى خيمة النبيّ وطلب إليه أن يضرب عنقه . قال العباس : إني يا رسول اللّه قد أجرته . إزاء هذا الموقف في تلك الساعة من الليل ، وبعد مناقشة لا تخلوا من حدّة بين العباس وعمر قال محمد : اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به . فلما كان الصباح ، وجيء بأبي سفيان في حضرة النبيّ وبمسمع من كبراء المهاجرين والأنصار ، جرى الحوار الآتي : النبيّ - ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا اللّه ؟ ! أبو سفيان - بأبي أنت وأمي ! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! واللّه لقد ظننت لو كان مع اللّه إله غيره لقد أغنى شيئا بعد . النبيّ - ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللّه ؟ ! أبو سفيان - بأبي وأمي ! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! أمّا واللّه هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئا . فتدخل العباس موجها القول إلى أبي سفيان أن يسلم ويشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه قبل أن تضرب عنقه . ولم يجد أبو سفيان أمام هذا إلا أن يسلم . فتوجّه العبّاس بالقول إلى النبيّ عليه السلام : يا رسول اللّه ؛ إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فاجعل له شيئا . قال رسول اللّه : « نعم ! من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن » . هذه الوقائع وارد عليها اتفاق المؤرخين وكتاب السيرة جميعا إلا أن بعضهم يسائل : أهي قد حدثت كلها بمحض المصادفة ؟ فخروج العباس إلى النبيّ كان قصده منه أن يذهب إلى المدينة فإذا هو يلقي جيوش المسلمين بالجحفة ، وخروج بديل بن ورقاء مع أبي سفيان بن حرب كان لمحض الاستطلاع ، مع أن بديلا ذهب قبل ذلك إلى المدينة وقصّ على النبيّ ما لقيت خزاعة وعرف من النبيّ أنه ناصرها ، وخروج أبي سفيان كان جهلا منه بأن محمدا قد سار لغزو مكة ! أم أن شيئا من الاتّفاق ، قليلا أو كثيرا ، كان قد حدث قبل ذلك ، وأن هذا