محمد حسين هيكل

26

حياة محمد ( ص )

حسن إدراك هذه الصلة الذاتية بالوجود وخالق الوجود في وحدته التي لا تتغيّر سننها ولا يعتبر للزمان أو المكان فيها إلا وجود نسبي لحياتنا القصيرة . وحياة محمد هي لا ريب خير مثل لدراسة هذه الصلة الذاتية دراسة علمية لمن أراد ، ودراسة عملية لمن تؤهله مواهبه أن يحاول هذا الاتصال في مراتب أوّلية لبعد ما بينه وبين الصلة الإلهية التي أفاء اللّه على رسوله . وأكبر ظني أن هاتين الدراستين خليقتان ، يوم يتاح لهما التوفيق ، أن تنقذا عالمنا الحاضر من وثنية تورّط فيها على اختلاف عقائده الدينية أو العلمية ؛ وثنيّة جعلت المال وحده معبودا ، وسخّرت كل ما في الوجود من علم وفن وخلق ومواهب لعبادته والتسبيح بحمده . قد يكون هذا التوفيق ما يزال بعيدا . لكن طلائع القضاء على هذه الوثنية التي تتحكم في عالمنا الحاضر ، وتوجه الحضارة الحاكمة فيه ، واضحة لكل من تتبّع سيرة العالم وأحداثه . فلعل هذه الطلائع تتواتر وتقوى دلالتها إذا انجلت أمام العلم تلك المسائل الروحية بالتخصص لدراسة حياة محمد النبي وتعاليمه وعصره والثورة الروحية التي انتشرت في العالم أثرا من آثاره . وإذا أتاحت الدراسة العلمية والدراسة الذاتية لقوى الإنسانية الكمينة مزيدا من اتصال بني الإنسان بحقيقة الكون العليا ، كان ذلك الحجر الأوّل في أساس الحضارة الجديدة . وهذا الكتاب ليس إلا محاولة بدائية في هذه السبيل كما قدّمت . وبحسبي أن يقنع هذا الكتاب الناس بما فيه ، وأن يقنع العلماء والباحثين بضرورة الانقطاع والتخصص لبلوغ الغاية من بحث موضوعه . ولو أنه أثمر أيّا من هذين الأثرين أو كليهما ، لكان ذلك أكبر جزاء أرجو عن المجهود الذي بذلت فيه . واللّه يجزي المحسنين . محمد حسين هيكل