محمد حسين هيكل
258
حياة محمد ( ص )
بكاء محمد المستشهدين لذلك ما كاد خالد والجيش معه يدنون من المدينة حتى تلقّاهم محمد والمسلمون معه . وطلب محمد فأتى بعبد اللّه بن جعفر فأخذه وحمله بين يديه . أما الناس فجعلوا يحثون على الجيش التراب ويقولون : يا فرّار ، فررتم في سبيل اللّه ! فيقول رسول اللّه : ليسوا بالفرّار ، ولكنهم الكرّار إن شاء اللّه . ومع هذه التأسية من محمد للعائدين من مؤتة فقد ظلّ المسلمون لا يغفرون لهم انسحابهم وعودهم ، حتى كان سلمة بن هشام لا يحضر الصلاة مع المسلمين خشية أن يسمع من كل من رآه : يا فرّار فررتم في سبيل اللّه . ولولا ما كان بعد ذلك من فعال هؤلاء الذين حضروا مؤتة ، ومن فعال خالد بنوع خاص ، لظلّت مؤتة معتبرة بعض ما لطّخ به إخوانهم في الدين جبينهم من عار الفرار . وقد بلغ الألم من نفس محمد منذ علم بقتل زيد وجعفر ، وحزّ الأسى في نفسه من أجلهما . لمّا أصيب جعفر ذهب محمد إلى منزله ودخل على زوجه أسماء بنت عميس ، وكانت قد عجنت عجينها وغسلت بنيها ودهنتهم ونظفتهم ، فقال لها : ائتيني ببني جعفر . فلما أتته بهم تشمّمهم وذرفت عيناه الدمع . قالت أسماء في لهف وقد أدركت ما أصابها : يا رسول اللّه ، بأبي أنت وأمي ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء ؟ قال : نعم أصيبوا هذا اليوم ! وازدادت عيناه بالدمع تهتانا . فقامت أسماء تصيح حتى اجتمع النساء إليها . أمّا محمد فخرج إلى أهله فقال : لا تغافلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم . ورأى ابنة مولاه زيد قادمة فربّت على كتفيها وبكى . وأظهر بعضهم دهشة لبكاء الرسول على من استشهد ؛ فقال ما معناه : إنما هي عبرات الصديق يفقد صديقه . وفي رواية أن جثّة جعفر حملت إلى المدينة ودفنت بها بعد ثلاثة أيام من وصول خالد والجيش إليها . ومن يومئذ أمر الرسول الناس أن يكفوا عن البكاء ، فقد أبدل اللّه جعفرا من يديه اللتين قطعتا جناحين طار بهما إلى الجنة . غزوة ذات السلاسل أراد محمد بعد أسابيع من عود خالد أن يستردّ هيبة المسلمين في شمال شبه الجزيرة ، فبعث عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الشام ، ذلك أن أمّا له كانت من قبائل تلك النواحي ، فكان من اليسير عليه أن يأتلفهم . فلما كان على ماء بأرض جذّام يقال له السلسل ، خاف فبعث إلى النبيّ عليه السلام يستمدّه . فأمدّه بأبي عبيدة بن الجرّاح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر . وخاف محمد أن يختلف عمرو ، وهو حديث عهد بالإسلام ، مع أبي عبيدة من المهاجرين الأولين ؛ فقال لأبي عبيدة حين وجهه : لا تختلفا . وقال عمرو لأبي عبيدة : إنما جئت مددا لي فأنا على قيادة الجيش . وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا هيّنا عليه أمر الدنيا ، فقال لعمرو : لقد قال رسول اللّه : لا تختلفا ، وإنك إن عصيتني أطعتك . وصلى عمرو بالناس ، وتقدّم بالجيش فشتّت جموع أهل الشام الذين أرادوا محاربته ، وأعاد بذلك هيبة المسلمين في تلك الناحية . وفي هذه الأثناء كان محمد يفكر في مكة ومالها . لكنه ، كما قدّمنا ، كان وفيّا بعهد الحديبية ، فأقام ينتظر انقضاء السنتين . وجعل أثناء ذلك يبعث السرايا ليسكن بها ثائرة القبائل التي تحدّثها نفوسها بالثورة . على أنه كان في غير حاجة إلى كبير عناء من هذه الناحية ؛ فقد بدأت الوفود ترد إليه من مختلف النواحي تعلن إليه طاعتها وإذعانها . وإنه لكذلك إذ حدث ما كان مقدّمة لفتح مكة ، ولاستقرار الإسلام بها استقرارا أسبغ عليها إلى أبد الدهر أعظم التقديس .