محمد حسين هيكل
252
حياة محمد ( ص )
إجلاء قريش عن مكة وعرفت قريش بمقدم محمد وأصحابه ، فجلت عن مكة ، نزولا على صلح الحديبية ، وصعدت في التلال المجاورة لها حيث ضربت الخيام ، وحيث أوى منهم من أوى إلى فيء الشجر . ومن فوق أبي قبيس وحراء ، ومن فوق كل مرتفع مطل على مكة ، أطلّ هؤلاء المكّيون ينظرون بعيون كلها تطلع إلى الطريد وأصحابه داخلين بلد البيت الحرام لا يصدّهم عنه صادّ ، ولا يحول بينهم وبينه حائل . المسلمون أمام البيت الحرام والطواف بالكعبة وانحدر المسلمون من شمال مكة وقد أخذ عبد اللّه بن رواحة بخطام القصواء ، وأحاط كبار الصحابة بالنبيّ عليه السلام . وسارت الصفوف من خلفهم ما بين راجل ومقتعد غارب بعيره . فلما انكشف البيت الحرام أمامهم ، انفرجت شفاه المسلمين جميعا عن صوت واحد منادين : لبّيك لبّيك ! متوجهين بالقلوب والأرواح إلى وجه اللّه ذي الجلال ، محيطين في هالة من رجاء وإكبار بهذا الرسول الذي بعثه اللّه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله . والحق أنه كان مشهدا فذّا من مشاهد التاريخ التي اهتزت لها أرجاؤه ، والتي جذبت إلى الإسلام قلوب أشد المشركين صلابة في وثنيته وفي عناده . وعلى هذا المشهد الفذّ كانت تقع عيون أهل مكة . وهذا الصوت المنبعث من القلوب يدوّي : لبّيك ! لبّيك ، كان يخترق آذانهم فيهزّ قلوبهم هزّا . ولما بلغ الرسول المسجد إضطجع « 1 » بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال : اللهم ارحم امرآ أراهم اليوم من نفسه قوّة . ثم استلم الركن عند الحجر الأسود وهرول وهرول أصحابه معه ، فلمّا استلم الركن اليمانيّ مشى حتى استلم الحجر الأسود مهرولا من جديد ثلاثة أطواف ومشى سائرها . والألفان من المسلمين يهرولون كلما هرول ، ويمشون كلما مشى . وقريش تنظر من فوق أبي قبيس ، فيأخذها لهذا المنظر البهر « 2 » من كل مكان ، وتشهد أنها ، وكانت تحدّث عن محمد وأصحابه أنهم في عسر وشدّة وجهد ، قد رأت ما يمحو من أفئدتها كل وهم بوهن محمد وأصحابه . وفي حماسة هذه الساعة أراد عبد اللّه بن رواحة أن يقذف في وجه قريش بصيحة حرب ؛ فصدّه عمر ، وقال له الرسول : « مهلا يا بن رواحة وقل لا إله إلا اللّه وحده ، نصر عبده وأعزّ جنده . وخذل الأحزاب وحده » أو كما قال ؛ فنادى بها ابن رواحة بأعلى صوته ، وردّدها المسلمون من بعده ، فتجاوبت بأصدائها جوانب الوادي ، وارتفعت رهبتها إلى قلوب الذين تسنّموا الجبال حوله . ولما أتمّ المسلمون الطواف بالكعبة انتقل محمد على رأسهم إلى الصفا والمروة فركب بينهما سبعا ، كما كان يفعل العرب من قبل ، ثم نحر الهدي عند المروة وحلق رأسه وأتمّ بذلك فرائض العمرة . ولما كان الغد دخل محمد إلى الكعبة وبقي بها حتى صلاة الظهر . ولقد كانت الأصنام ما تزال تعمرها . مع ذلك علا بلال سقفها وأذّن في الناس لصلاة الظهر عندها . وصلى النبي يومئذ بألفين من المسلمين صلاة الإسلام عند البيت الذي كان يصدّ من سبع سنين عن الصلاة عنده . وأقام المسلمون بمكة ثلاثة الأيام المفروضة في عهد الحديبية ، وقد خلت أمّ القرى من أهلها . فجلس المسلمون خلالها لا يصيبهم فيها أذى ولا يعترضهم أحد بسوء . والمهاجرون منهم يزورون دورهم ويزيرون أصحابهم من الأنصار إيّاها ، وكأنما هم جميعا أصحاب هذا البلد الأمين ؛ وكلهم يسير سيرة الإسلام يؤدّي إلى اللّه كل يوم صلواته فيقتل في نفسه غرورها ، ويعين قويهم
--> ( 1 ) الاضطجاع : أن يأخذ الإنسان الإزار أو البرد فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن ويلقي طرفيه على كتفه اليسر من جهتي صدره وظهره . ( 2 ) البهر : العجب .