محمد حسين هيكل
250
حياة محمد ( ص )
وأمّا أمراء العرب فقد ردّ أمير اليمن وعمان على رسالة النبيّ ردّا فاحشا ورد أمير البحرين ردّا حسنا وأسلم . وردّ أمير اليمامة مظهرا استعداده للإسلام إذا هو نصب حاكما ؛ فلعنه النبي لمطامعه . ويذكرون أنه لم يلبث إلا عاما بعد ذلك ثم مات . لما ذا كانت ردود أكثر الملوك رقيقة ؟ يستوقف القارئ ما في إجابات أكثر هؤلاء الملوك والأمراء من رفق ومن حسن رأي ، وأنه لم يقتل أحد من رسل محمد ولم يسجن ، بل عادوا إليه كلّهم بما حملوا من رسالات في أكثرها رقة وعطف ، وفي بعضها غلظة وشدّة . فكيف تلقى أولئك الملوك رسالة الدين الجديد من غير أن يتألبوا على صاحب الدعوة ، ومن غير أن يتضافروا على سحقه ؟ ذلك أن عالم يومئذ كان كعالمنا الحاضر ، قد طغت فيه المادّة على الروح ، وأصبح فيه التّرف غاية الحياة ، وأصبحت الأمم تقتل حبّا في الظفر ، وإرضاء لمطامع ملوكها وسادتها ، وشفاء لغرور أنفسهم ، أو طمعا في مزيد من الترف تبلغه وتستمتع به . ومثل هذا العالم تهوى فيه العقيدة إلى شعائر تقام في العلن ولا تؤمن النفوس التي تؤديها بشيء مما وراءها ، ولا تعنى إلا بأن تكون في حكم صاحب السلطان الذي يطعمها ويكسوها ويكفل لها رخاء العيش وعرض الجاه وكثرة المال . ولا تستمسك بهذه الشعائر إلا بمقدار ما تدرّ عليها من خير مادي . فإذا فاتها هذا الخير ، خارت عزيمتها ، وتضعضعت همّتها ، ووهنت فيها قوّة المقاومة . ولذلك لم يلبث الناس حين سمعوا دعوة جديدة للإيمان فيها بساطة وفيها قوّة ، وفيها مساواة أمام ربّ واحد ، إيّاه نعبد وإياه نستعين ، هو وحده الذي يملك ضرّ النفوس ونفعها ، شعاع من رضاه يبدّد غضب ملوك الأرض جميعا ، ومخافة غضبه تزعزع النفس وإن أغرقها الملوك كلهم في النعمة والرضا ، والرجاء في مغفرته متّصل لمن تاب وآمن وعمل صالحا - لم يلبث الناس حين سمعوا هذه الدعوة ، ورأوا صاحبها يقوى بها على الاضطهاد ، وعلى الظلم ، وعلى التعذيب ، وعلى كل ما في الحياة الماديّة من قوى ، ويمتدّ بها سلطانه ، وهو اليتيم الفقير المحروم ، إلى ما لم يحلم به أحد من قبله في بلده ولا بلاد العرب كلها ، حتى اشرأبت الأعناق ، وأرهفت الآذان ، وشعرت النفوس بظمئها ، وتطلّعت الأرواح لمورد ريّها ، لولا بقية من الخوف والشك تقوم بينها وبين الحقيقة ، حجابا . لذلك رد من الملوك في رفق ورقة . وبذلك ازداد المسلمون إيمانا على إيمانهم وقوّة في يقينهم . عود المسلمين من الحبشة عاد محمد من خيبر وعاد جعفر والمسلمون معه من الحبشة ، وعاد رسل محمد من حيث أوفدهم ، والتقوا جميعا بالمدينة كرّة أخرى . والتقوا ليقضوا بقيّة عامهم هذا مشوقين ليوم في العام القابل يحجّون فيه إلى مكة يدخلونها آمنين محلّقين رؤسهم ومقصّرين لا يخافون . وقد بلغ من غبطة محمد بلقيا جعفر . أن ذكر أنه لا يدري بأيّ هو أشد اغتباطا : بالنصر على خيبر أو بلقيا جعفر . وفي هذه الفترة تجري القصة التي تروي أن اليهود سحروا محمدا بفعل لبيد ، حتى كان يحسب أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله . وهي قصة اضطربت فيها الروايات اضطرابا شديدا يؤيد رأي القائل بأنها محض اختراع لا شيء فيها من الحق . انتظار عمرة القضاء وأقام المسلمون آمنين بالمدينة ، مستمتعين بالعيش ، ناعمين بفضل من اللّه ورضوان ، لا يفكرون من أمر الغزو في أكثر من إرسال بعض السّرايا لمعاقبة من يفكر في الاعتداء على حقهم أو سلب شيء من مالهم ومتاعهم . فلما استدار العام ، وكانوا في ذي القعدة خرج النبيّ في ألفين من رجاله لعمرة القضاء نفاذا لعهد الحديبية ، وإطفاء لظمأ هذه النفوس الشديدة الظمأ لأداء فرائض البيت العتيق .