محمد حسين هيكل

248

حياة محمد ( ص )

وقد اختلف الرواة ، فذكر أكثرهم أن النبي عفا عن زينب وقدّر لها عذرها بعد الذي أصاب أباها وزوجها . وذكر بعضهم أنها قتلت في بشر الذي مات مسموما . زواج محمد صفية ابنة حيىّ بن أخطب وقد تركت فعلة زينب في نفوس المسلمين أعمق الأثر ، وجعلتهم في أعقاب خيبر لا يثقون باليهود ، بل يخشون غدرهم أفرادا بعد أن قضى على جماعتهم القضاء الأخير . كانت صفيّة ابنة حيىّ بن أخطب النّضيرية من بين السبايا اللائي أخذ المسلمون من حصون خيبر ، وكانت زوجا لكنانة بن الربيع ، وكان عند كنانة مما يعرف المسلمون كنز بني النضير . فسأله النبيّ فأقسم لا يعرف مكانه . فقال له محمد : إن وجدناه عندك أأقتلك ؟ قال نعم . وكان أحدهم قد رأى كنانة يطوف بخربة وذكر أمره للنبي ، فأمر بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض الكنز ، فقتل في إنكاره . فلما خلصت صفيّة إلى المسلمين وصارت بين الأسرى ، قيل للنبيّ : « صفية سيّدة بني قريظة والنّضير لا تصلح إلا لك » فأعتقها وتزوجها مقتفيا بذلك أثر الفاتحين العظماء الذين كانوا يتزوجون من بنات عظاماء الممالك التي يفتحونها ليخففوا من مصابهم ويحافظوا من كرامتهم . وقد خشي أبو أيوب خالد الأنصاري أن تتحرك في نفسها الضغينة على الرسول الذي قتل أباها وزوجها وقومها ؛ لذلك بات حول الخيمة التي أعرس فيها محمد بصفيّة في طريق عودته من خيبر متوشحا سيفه . فلما أصبح الرسول ورآه سأله : ما لك ؟ قال : خفت عليك من هذه المرأة وقد قتلت أباها وزوجها وقومها وقد كانت حديثة عهد بكفر . على أن صفيّة أقامت على الوفاء لمحمد حتى قبضه اللّه إليه . وقد اجتمع نساؤه حوله في مرضه الأخير ؛ فقالت صفيّة : أما واللّه نبيّ اللّه لوددت أن الذي بك بي . فتغامز بها أزواج النبي . فقال لهن : مضمضن . قلن : من أيّ شيء يا نبيّ اللّه ؟ قال : من تغامزكن بصاحبتكن ، واللّه إنها لصادقة . وبقيت صفية بعد النبيّ حتى خلافة معاوية ، وفيها توفيت ودفنت بالبقيع . رسول النبي إلى هرقل ماذا فعل اللّه بالرسل الذين أوفدهم محمد إلى هرقل وكسرى والنجاشي وغيرهم من الملوك المحيطين ببلاد العرب ؟ ! هل سافروا قبل غزوة خيبر ، أو هم حضروها حتى تمّ النصر للمسلمين فيها ثم سافروا من بعدها كلّ إلى ناحيته ؟ يختلف المؤرخون في ذلك اختلافا كبيرا يصعب معه القطع في الأمر بقول : وأكبر ظننا أنهم لم يسافروا جميعا في وقت واحد ، وأن منهم من سافر قبل خيبر ومنهم من سافر بعدها . فقد جاء في غير رواية أن دحية بن خليفة الكلبيّ حضر خيبر وهو مع ذلك الذي ذهب برسالة هرقل . سافر إليه وكان هرقل يومئذ عائدا يحفّ به النصر بعد أن تغلّب على الفرس واستنقذ منهم الصليب الأعظم الذي أخذ من بيت المقدس ، وآن له أن يتمّ نذوره وأن يحج إلى بيت المقدس ماشيا ليردّ الصليب الأعظم إلى مكانه ، وكان قد بلغ من سياحته مدينة حمص حين حمل الخطاب إليه . هل حمله إليه جماعة من رجاله بعد أن أسلم دحية الخطاب إلى عامله على بصرى ، أو أنه اطلّع عليه بعد أن أدخل جماعة من البدو ودحية على رأسهم يقدّم إليه الكتاب بنفسه ؟ هذا ما تضطرب الرواية كذلك حوله . وتلى الخطاب عليه وترجم له ، فلم يغضب ولم تثر ثائرته ، ولم يفكر في إرسال جيش يغزو بلاد العرب ، بل ردّ على الرسالة ردّا حسنا جعل بعض المؤرخين يزعمون خطأ أنه أسلم . جواب هرقل وفي الوقت نفسه بعث الحارث الغسّاني إلى هرقل يخبره أن رسولا جاءه من محمد بكتاب ، رأى هرقل شبهه بالكتاب الذي أرسل إليه يدعوه إلى الإسلام ويستأذن الحارث في أن يقوم على رأس جيش لمعاقبة هذا المدّعي