محمد حسين هيكل
244
حياة محمد ( ص )
روحية صرفة وكانت ترتفع بالإنسان إلى أسمى مراتب الإنسانية ، وحيثما التقت المادة والروح ، وحيثما تعارض همّ الحاضر وأمل الخلود ، انهزمت المادة وعنا وجه الحاضر . مزاوجة الإسلام بين الروح والجسد ثم إن فارس وبزنطية كانتا ، على عظم سلطانهما ، قد فقدتا قوّة الابتكار وملكة الإنشاء ، ونزلتا في عالم التفكير وفي عالم الشعور وفي عالم العمل إلى درك التقليد واحتذاء السلف ، واعتبار كل جديد بدعة ، وكل بدعة ضلالة . والجماعة الإنسانية كالفرد الإنساني وككل كائن حيّ ، تتجدد كل يوم ، فإما كانت ما تزال فتية شابة فكان تجددها خلقا وإنشاء ومزيدا في الحياة ، وإما كانت قد بلغت الذروة ولم تعد قادرة على الإنشاء والخلق فهي تنفق من رأس مال حياتها ؛ فحياتها لذلك في نقص مستمر ، وفي انحدار إلى درك النهاية . والجماعة الإنسانية التي تنحدر إلى درك النهاية مصيرها أن يخلقها عنصر خارجي ، فيه فتوة الحياة ، خلقا جديدا . العنصر الخارجي المملئ بقوة الحياة الفتية إلى جانب فارس وبزنطية لم يكن في ناحية الصين أو الهند ، ولا كان في ناحية أواسط أوروبا ؛ إنما كان هذا العنصر محمدا . كانت دعوته في شباب فتوّتها جديرة بأن تعيد إلى هذه النفوس ، المنهدم داخلها بحكم التقاليد الدينية والخرافات القائمة منها مقام الإيمان والعقيدة ، حياة فتية تجددها وتردها إلى الحياة . وشعلة الإيمان الجديد التي كانت تضيء نفس الرسول ، وقوّة نفسه التي سمت فوق كل قوة ، هي التي هدت إلهامه إلى أن يبعث هؤلاء الرسل يدعون عظاماء الأرض بدعاية الإسلام دين الحق ، دين الكمال ، دين اللّه جل شأنه ؛ يدعوهم إلى الدين الذي يحرر العقول لترى ، والقلوب لتبصر ، والذي يضع للإنسان في حياة العقيدة ، كما يضع له في نظام الجماعة ، قواعد عامة توازي بين سلطان الروح وقوة المادة التي تنطوي على الروح ، لتبلغ بالإنسان من طريق هذه الموازاة إلى غاية ما يستطيع بلوغه من قوة على الحياة ، قوة لا يشوبها وهن ولا غرور ، ولتبلغ بالجماعة الإنسانية بفضل ذلك النظام إلى خير مكان أعد لها بعد أن تسلك ما قدّر لها من ضروب التطوّر بين كائنات الوجود جميعا . القضاء الأخير على يهود شبه الجزيرة أفيرسل محمد رسله إلى هؤلاء الملوك وهو ما يزال يخشى غدر اليهود الذين لا يزالون مقيمين شمال المدينة ؟ صحيح أنه قد عهد عهد الحديبية ، فأمن قريشا وأمن الجنوب كله ؛ لكنه لن يأمن من ناحية الشمال أن يستعين هرقل أو أن يستعين كسرى بيهود خيبر ، وأن يحرّك في نفوسهم ثاراتهم القديمة ، وأن يذّكّرهم إخوانهم في الدين من بني قريظة وبني النّضير وبني قينقاع ، وقد أجلاهم محمد عن ديارهم بعد أن حصرهم بها وقاتلهم فيها وقتل منهم وسفك دماءهم . واليهود من قريش عداوة له ؛ لأنهم أحرص منهم على دينهم ، ولأن فيهم ذكاء وعلما أكثر مما في قريش . وليس من اليسير أن يوادعهم بصلح كصلح الحديبية ، ولا أن يطمئن لهم وقد سبقت بينه وبينهم خصومات لم ينتصروا في إحداها . فما أجدرهم أن يثأروا لأنفسهم إذا هم وجدوا من ناحية هرقل مددا . لابد إذا من القضاء على شوكة هؤلاء اليهود قضاء أخيرا حتى لا يكون لديهم من الوقت متسع للاستعانة بغطفان أو بغيرها من القبائل المعادية لمحمد والموالية لها . السير لغزوة خيبر وكذلك فعل ؛ فإنه لم يقم بالمدينة بعد عوده من الحديبية إلا خمس عشرة ليلة على قول ، وشهرا على قول آخر ، ثم أمر الناس بالتجهيز لغزو خيبر على ألا يغزو معه إلا من شهد الحديبية ، إلا أن يكون غازيا متطوعا ليس له من الغنيمة شيء . وانطلق المسلمون في ألف وستمائة ومعهم مائة فارس ، وكلهم واثق بنصر اللّه ،