محمد حسين هيكل
24
حياة محمد ( ص )
ثم إنه كانت تستغلق عليّ بعض المسائل أحيانا فأفضي إلى من آنس فيه المعرفة من أصدقائي بما استغلق عليّ فأجد في كثير من الأحيان خير العون . وجدت ذلك غير مرّة عند الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي ، ووجدته عند صديقي الضليع جعفر ( باشا ) وهو الذي أعارني عدّة كتب كصحيح مسلم وتواريخ مكة ، ودلنيّ على غير مسألة من المسائل وهداني إلى موضعها ، وقد أعارني صديقي الأستاذ مكرم عبيد ( باشا ) كتاب المستشرق السير وليم موير « حياة محمد » وكتاب الأب لامنس « الإسلام » . هذا إلى ما وجدت من عون في مؤلّفات المعاصرين القيامة ككتاب « فجر الإسلام » للأستاذ أحمد أمين ، و « قصص الأنبياء » للأستاذ عبد الوهاب النّجار ، و « في الأدب الجاهلي » للدكتور طه حسين ، و « اليهود في بلاد العرب » لإسرائيل ولفنسن ، وغير هذه من كتب المعاصرين كثير ذكرته في بيان المراجع القديمة والحديثة التي استعنت بها على وضع هذا الكتاب . ولقد كنت كلما ازددت توسعا في البحث أرى مسائل تنجم أمامي وتستدعي التفكير ومزيدا من البحث لحلها . وكما عاونتني كتب السيرة وكتب التفسير في الاهتداء إلى غاية من تفكيري أطمئن إليها ، عاونتني كذلك كتب المستشرقين في الاهتداء إلى غاية أطمئن إليها . على أنني رأيتني مضطرّا في كل المواقف لأقصر بحثي في حدود حياة محمد نفسه ما لم أضطرّ إلى تناول مسائل أخرى متصلة بهذا البحث اضطرارا . ولو أنني أردت أن أبحث كل ما اتصل بهذه الحياة الفيّاضة العظيمة ، لاحتاج الأمر إلى وضع مجلّدات عدّة في حجم هذا الكتاب . ويحسن أن أذكر أن كوسّان دبرسفال وضع ثلاثة مجلّدات بعنوان « رسالة في تاريخ العرب » ، جعل المجلّدين الأوّلين منها في تاريخ قبائل العرب وحياتها ، وجعل الثالث عن محمد وخليفتيه الأوّلين أبي بكر وعمر . وطبقات ابن سعد تقع في مجلّدات كثيرة يتناول جزؤها الأوّل حياة محمد ، وسائر أجزائها حياة أصحابه . ولم يكن غرضي أوّل ما بدأت البحث ليتجاوز حياة محمد . فلم أرد في أثنائه أن أتركه يتشعّب فيحول ذلك بيني وبين الغاية التي إليها قصدت . في حدود السيرة لا أتعداها وشيء آخر كان يمسكني في حدود هذه الحياة ؛ ذلك روعة جلالها وباهر ضيائها جلالا وضياء يتوارى دونهما كل ما سواهما . فما كان أعظم أبا بكر ! وما كان أعظم عمر إذ كان كل منهما في خلافته علما يحجب سواه ! وما أشدّ ما كان للسابقين الأوّلين إلى صحبة محمد من عظمة ثبتت على الأجيال وهي بعد مما تفاخر به الأجيال . لكن هؤلاء جميعا كانوا يستظلّون أثناء حياة النبي بجلال عظمته وبستضيئون بباهر لألائه . فليس من اليسير على من يبحث في سيرة الرسول أن يدعها لشيء سواها . وهو أشد شعورا بذلك إذا تناول البحث على الطريقة العلمية الحديثة على نحو ما حاولت أن أفعل ، هذه الطريقة التي تجلو عظمة محمد على نحو يبهر العقل والقلب والعاطفة جميعا ، ويغرس فيها من الإجلال للعظمة والإيمان بقوتها ما لا يختلف فيه المسلم وغير المسلم . وأنت إذا طرحت جانبا أولئك المتعصّبين الحمقى الذين جعلوا النيل من محمد دأبهم كالمبشرين وأشباههم ، فإنك واجد هذا الإجلال للعظمة والإيمان بقوتها في كتب العلماء المستشرقين واضحين جليين . عقد كارليل في كتابه « الأبطال » فصلا عن محمد صوّر فيه الجذوة الإلهية المقدّسة التي أوحت إلى محمد ما أوحت فصوّر العظمة في جلال قوّتها . وموير ، وإرفنج ، وسبرنجر ، وفيل ، وغيرهم من المستشرقين والعلماء قد صوّر كل واحد منهم عظمة محمد تصويرا قويا وإن وقف هذا أو ذاك منهم عند مسائل اعتبرها ماخذ على صاحب الرسالة الإسلامية ، لغير شيء إلا أنه لم يمتحنها ولم يمحصها التمحيص العلميّ الدقيق ، ولأنه اعتمد فيها على ما