محمد حسين هيكل

234

حياة محمد ( ص )

قوة ! فما تظن قريش ! فو اللّه لا أزال أجاهد على الذي بعثني به حتى يظهره اللّه أو تنفرد هذه السّالفة « 1 » » . ثم وقف يفكر ماذا عساه يصنع . إنه لم يخرج من المدينة غازيا ، وإنما خرج محرما يريد بيت اللّه يؤدي عنده إلى اللّه فرضه . وهو لم يتّخذ للحرب عدّتها ؛ فلعله إن حارب فلم ينتصر جعلت قريش من ذلك موضع فخارها ، بل لعلها إنما أوفدت ابن الوليد وعكرمة قصد إدراك هذه البغية حين علمت أنه لم يخرج مقاتلا . حرص محمد على السلم وبينما كان محمد بفكر كانت فرسان مكة تبدو على مرمى النظر ، يدلّ مرآها على أنه لا سبيل للمسلمين إلى درك غايتهم إلا أن يقتحموا هذه الصفوف اقتحاما ، وأن تدور معركة تقف فيها قريش مدافعة عن كرامتها وعن شرفها وعن وطنها ؛ معركة لم يردها محمد ، وإنما حملته قريش عليها حملا وألزمته خوض غمارها إلزاما . إن المسلمين ممن معه لا تنقصهم الحمية ، وقد تكفيهم سيوفهم إذا جردت من غمودها لدفع عدوان المعتدي ؛ لكنه يفوت بذلك قصده وقد يجعل لقريش عند العرب حجة عليه ، وهو أبعد من هذا نظرا أكثر حنكة وأدق سياسة . إذا . . . نادى في الناس قائلا من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها ؟ وكذلك ظل مستقرّا رأيه على سلوك سياسة السلم التي رسم منذ خرج من المدينة ومنذ اعتزم الذهاب إلى مكة حاجا . وخرج رجل يسلك بهم طريقا وعرا بين شعاب مضنية وجد المسلمون في سلوكها مشقّة أي مشقة ، حتى أفضت بهم إلى سهل عند منقطع الوادي الذي سلكوا فيه ذات اليمين حتى خرجوا على ثنيّة المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة . فلما رأت خيل قريش ما صنع محمد وأصحابه ركضوا راجعين أدراجهم ليقفوا مدافعين عن مكة إذا دهمها المسلمون . ولمّا بلغ المسلمون الحديبية بركت القصواء ( ناقة النبي ) وظن المسلمون أنها جهدت . فقال رسول اللّه : « إنما حبسها حابس الفيل عن مكة . لا تدعوني قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها » . ثم دعا الناس إلى النزول . فقالوا له : « يا رسول اللّه ، ما بالوادي ماء ننزل عليه » . فأخرج هو سهما من كنانته فأعطاه رجلا نزل به إلى بئر من الابار المنثورة في تلك الأنحاء ، فغرزه في الرمال من قاع البئر فجاش الماء ، فاطمأن الناس ونزلوا . تفكير المعسكرين نزلوا ، ولكن قريشا بمكة لهم بالمرصاد ، وهي تؤثر الموت على أن يدخلها محمد عليهم عنوة . فهل يعدون لقريش عدّة النزال فيحاربوها حتى يحكم اللّه بينهم وبينها وحتى يقضي اللّه أمرا كان مفعولا ؟ ! في هذا فكر بعضهم وفي احتماله فكرت قريش . لئن حدث ذلك وانتصر المسلمون لقد قضي على قريش عند العرب كلها قضاء أخيرا ، وقد تعرّضت قريش لأن ينزع منها سدانة الكعبة وسقاية الحاجّ وكل ما تفاخر به العرب من مراسم ومناسك دينية . ماذا تصنع إذا ؟ وقف المعسكران يفكر كلّ في الخطّة التي يتّبع ؛ فأمّا محمد فظلّ على خطّته التي رسم منذ أخذ للعمرة عدّته ، خطة السلم والجنوح عن القتال إلا أن تهاجمه قريش أو تغدر به ، وهنالك لا يبقي من انتضاء السيف مفرّ . وأمّا قريش فتردّدت ثم رأت أن توفد إليه من رجالها من يتعرّف قوّته من ناحية ، ومن يصدّه عن دخول مكة من ناحية أخرى . وجاءه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة يسألونه ما الذي جاء به . فلمّا اقتنعوا من حديثه بأنه لم يأت يريد حربا وإنما زائرا للبيت معظما لحرمته ، رجعوا إلى قريش يريدون إقناعهم ليخلّوا بين الرجل وأصحابه وبين البيت العتيق . لكن قريشا اتّهموهم وجبهوهم وصاحوا بهم : وإن كان جاء لا يريد قتالا فو اللّه لا يدخل علينا عنوة أبدا ولا تتحدّث بذلك عنّا العرب . ثم

--> ( 1 ) السالفة : صفحة العنق ، وكنى بانفرادها عن الموت لأنها لا تفرد عما يليها إلا به .