محمد حسين هيكل

229

حياة محمد ( ص )

محمد يشاور أسامة وعليا ولم يكن محمد خيرا منها مكانا ؛ فقد آذاه ما يتحدّث به الناس ، حتى اضطرّ آخر الأمر إلى أن يتشاور مع خلصائه ماذا يصنع . فذهب إلى بيت أبي بكر ودعا إليه عليّا وأسامة بن زيد فاستشارهما ، فأمّا أسامة فنفي كل ما نسب إلى عائشة على أنه الكذب والباطل ، وأن الناس لا يعرفون كما لا يعرف النبيّ إلّا خيرا . وأمّا عليّ فقال : يا رسول اللّه ، إن النساء لكثير . ثم أشار باستجواب جارية عائشة لعلّها تصدقه . ودعيت الجارية وقام لها عليّ فضربها ضربا موجعا وهو يقول : اصدقي رسول اللّه ، والجارية تقول : واللّه ما أعلم إلا خيرا ، وتنفي عن عائشة قالة السوء . أخيرا لم يبق أمام محمد إلا أن يواجه زوجه وأن يطلب إليها أن تعترف . ودخل عليها وعندها أبواها وامرأة من الأنصار ، وهي تبكي والمرأة تبكي معها . وقد هوى الأسى بنفسها إلى أعمق قرارات الحزن من هول ما ترى من ريبة محمد بها . من ريبة هذا الرجل الذي تحبّ وتقدّس ؛ والذي به تؤمن وفيه تفنى . فلمّا رأته كفكفت دمعها وسمعت إليه وهو يقول : « يا عائشة ، إنه قد كان ما بلغك من قول الناس ، فاتّقي اللّه إن كنت قد قارفت سوآ مما يقولون ، فتوبي إلى اللّه فإن اللّه يقبل التوبة عن عباده » . فما إن أتمّ حديثه حتى ثار في عروقها دمها ، وجفّ من عينيها دمعها ، وتلّفتت إلى ناحية أمّها وإلى ناحية أبيها تنظر بما يجيبان . لكنهما سكتا فلم ينبسا بكلمة . فازدادت ثورة نفسها وصاحت بهما : ألا تجيبان ؟ ! وقالا : واللّه ما ندري بم نجيب . وعادا إلى وجومهما . وهنالك لم تملك نفسها دون النّشيج بالبكاء ؛ وساعفتها دموعها لتهدئ من الثورة المضطرمة بين ضلوعها تكاد تحرقها . ثم وجّهت الكلام إلى النبي وهي تبكي فقالت : واللّه لا أتوب إلى اللّه مما ذكرت أبدا ! إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس واللّه يعلم أني بريئة لأقولنّ ما لم يكن ، ولئن أنا أنكرت لا تصدّقوني . ثم سكتت هنيهة وعادت تقول : إنما أقول كما قال أبو يوسف : « صبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون » . نزول الوحي ببراءة عائشة فترة سكوت تلت هذه الثورة لم يعرف حاضروها أطالت أم قصرت . على أن محمدا لم يبرح مجلسه حتى تغشّاه من الوحي ما كان يتغشاه ، فسجّي بثوبه ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه . قالت عائشة : أما أنا فو اللّه ما فزعت ولا باليت حين رأيت من ذلك ما رأيت ، فقد عرفت أني بريئة وأن اللّه غير ظالمي . وأما أبواي فما سرّي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حتى ظننت لتخرجنّ نفساهما فرقا من أن يأتي من اللّه تحقيق ما قال الناس . فلما سرّي عن محمد جلس يتصبب عرقا ، فجعل يمسحه عن جبينه ويقول : أبشري يا عائشة ! قد أنزل اللّه براءتك . قالت عائشة : الحمد للّه ! وخرج محمد إلى المسجد فألقى على المسلمين هذه الآيات التي نزلت : ( إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ) « 1 » . إلى قوله تعالى : ( وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ . يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) . وفي هذه المناسبة كذلك نزلت عقوبة رمي المحصنات : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) « 2 » . وتنفيذا لحكم القرآن أمر بمسطح بن أثاثة وحسّان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح

--> ( 1 ) سورة النور آية 11 وما بعدها . ( 2 ) سورة النور آية 4 .