محمد حسين هيكل

227

حياة محمد ( ص )

فلم تجبه فقرّب هو لها البعير واستأخر عنه وقال : اركبي ، فركبت . وانطلق بالبعير سريعا يطلب الناس فلم يدركهم ، أن كانوا يعجلون سيرهم يريدون المدينة ليستريحوا بها من عناء السير الذي أمر به رسول اللّه إطفاء للفتنة التي كادت تقوم بسبب حديث ابن أبيّ . ودخل صفوان المدينة في وضح النهار بأعين الناس وعائشة على ظهر بعيره . حتى إذا كانت عند منزلها بين منازل نسوة الرسول دلفت إليه . ولا يجول بخاطر أحد أن يحدّث في أمرها قولا أو أو يثير حول تأخرها عن الركب شبهة ، ولا يدور بخاطر الرسول ظنّة سوء في ابنة أبي بكر أو في صفوان المؤمن الحسن الإيمان . وما كان لحديث أن يدور ، وها هي ذي تدخل المدينة بأعين الناس في أعقاب العسكر الذين جاؤوا لم يمض بين مجيئهم ومجيئها وقت يحمل على ظنّة أو يبعث إلى نفس ريبة ؛ وها هي تدخل بأعين الناس صافية الجبين مشرقة الوجه ، ليس في شيء من مظهرها ما يريب . فلتجر إذا شؤون المدينة كما هي وليقتسم المسلمون الأسلاب والغنائم والسبايا مما أسروا من بني المصطلق ، ولينعموا بهذه الحياة الرخيّة التي تزداد على الأيام رخاء كلما زادهم إيمانهم على عدّوهم عزّا ، وكلما أظفرتهم به عزيمتهم الصادقة واستهانتهم بالموت في سبيل اللّه وفي سبيل دينه وفي سبيل حرية العقيدة ، حرية كان العرب من قبل يأبونها عليهم . جويرية بنت الحارث وكانت جويرية بنت الحارث من سبايا بني المصطلق ، وكانت امرأة حلوة ملاحة وقد وقعت في سهم أحد الأنصار ، فأرادت أن تفتدي نفسها منه ، فأغلى الفداء علما منه بأنها ابنة زعيم بني المصطلق ، وأن أباها على أداء ما طلب قدير . وخشيت جويرية أثر شططه ، فذهبت إلى النبيّ وكان في دار عائشة فقالت : « أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك ، فوقعت في سهم فلان فكاتبته على نفسي ، فجئتك أستعينك على كتابتي » . قال : فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو ؟ قال : أقضي كتابك وأتزوّجك . فلمّا بلغ الناس الخبر أطلقوا من بأيديهم من أسرى بني المصطلق إكراما لصهر رسول اللّه إيّاهم ، حتى لكانت عائشة تقول عن جويرية : ما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها . هذه رواية ، وتجري رواية أخرى بأن الحارث بن أبي ضرار جاء إلى النبي بفداء ابنته ، وأنه أسلم بعد أن آمن برسالة النبيّ ، وأنه أخذ ابنته جويرية فأسلمت كما أسلم أبوها فخطبها محمد إليه فزوّجه إيّاها ، وأصدقها أربعمائة درهم . وفي رواية ثالثة : أن أباها لم يكن راغبا في هذا الزواج ، بل لم يكن راضيا عنه ، وأن أحد أقارب جويرية هو الذي زوّجها من النبيّ على غير إرادة أبيها . تزوّج محمد من جويرية ، وبنى لها منزلا إلى جانب منازل نسائه في جوار المسجد ، وأصبحت بذلك من أمهات المسلمين . وبينما هو في شغله بها كان قوم قد بدؤا يتهامسون : ما بال عائشة قد تأخّرت عن المعسكر وجاءت مع صفوان على بعيره ، وصفوان شاب وسيم الطلعة مكتمل فتوّة الشباب ؟ ! وكانت لزينب بنت جحش أخت تدعى حمنة ، وكانت تعلم ما لعائشة عند محمد من حظوة تقدّمها على أختها فجعلت حمنة هذه تذيع ما يهمس به الناس من أمر عائشة ، وكانت تجد من حسّان بن ثابت عونا ، ومن عليّ بن أبي طالب سميعا . فأمّا عبد اللّه بن أبيّ فوجد في هذا الحديث مرعى خصيبا لشفاء ما في نفسه من غلّ وجعل يذيعه جهد طاقته . ولكن جماعة الأوس وقفوا موقف الدفاع عن عائشة ، وقد كانت مضرب المثل في الطهر وسموّ النفس وكاد الحديث يؤذي إلى فتنة في المدينة .