محمد حسين هيكل

225

حياة محمد ( ص )

التراشق بالنبال ، مفرّا من التسليم تحت ضغط المسلمين القويّ السريع ، فأخذوا أسرى هم ونساؤهم وإبلهم وماشيتهم . فتنة عبد اللّه بن أبي وكان لعمر بن الخطاب في الجيش أجير يقود فرسه ، فازدحم بعد انتهاء الموقعة مع أحد رجال الخزرج على الماء فاقتتلا فتصايحا ، يقول الخزرجي : يا معشر الأنصار ، ويقول أجير عمر : يا معشر المهاجرين . وسمع عبد اللّه بن أبيّ النداء ، وكان قد خرج مع المنافقين في هذه الغزوة ابتغاء الغنيمة ، فثار ما في نفسه على المهاجرين وعلى محمد من حفيظة ، وقال لجلسائه : « لقد كاثرنا المهاجرون في ديارنا واللّه ما أعدّنا وإياهم إلا كما قال الأول : « سمّن كلبك يأكلك » . أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ » . ثم قال لمن حضر من قومه : « هذا ما فعلتم بأنفسكم : أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم . أما واللّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم » . ومشى بحديثه هذا ماش إلى رسول اللّه بعد فراغه من عدّوه ، وكان عنده عمر بن الخطاب ، فهاج عمر لما سمع وقال : مر به بلالا فليقتله . هنا ظهر النبي كدأبه مظهر القائد المحنّك والحكيم البعيد النظر . إذ التفت إلى عمر وقال : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس وقالوا إن محمدا يقتل أصحابه ؟ لكنه قدر في الوقت نفسه أنه إن لم يتخذ خطّة حازمة فقد يستفحل الأمر . لذلك أمر أن يؤذن في الناس بالرحيل في ساعة لم يكن يرتحل المسلمون فيها ، وترامى إلى ابن أبيّ ما بلغ النبي عنه ، فأسرع إلى حضرته ينفي ما نسب إليه ، ويخلف باللّه ما قاله ولا تكلّم به . ولم يغير ذلك من قرار محمد الرحيل شيئا ، بل انطلق بالناس طيلة يومهم حتى أمسوا ، وطيلة ليلتهم حتى أصبحوا ، وصدر يومهم الثاني آذتهم الشمس . فلما نزل الناس لم يلبثوا حين مسّت جنوبهم الأرض أن وقعوا من فرط تعبهم نياما ، وأنسى التعب الناس حديث ابن أبي وعادوا بعد ذلك إلى المدينة ومعهم ما حملوا من غنائم بني المصطلق وأسراهم وسبيهم ، ومعهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار قائد الحي المهزوم وزعيمه . حقد ابن أبي على النبي بلغ المسلمون المدينة ، وأقام ابن أبي بها ، لا تهدأ له نفس حسدا لمحمد وللمسلمين ، وإن تظاهر بالإسلام بل بالإيمان ؛ وإن أصر على إنكار ما نقل عنه لرسول اللّه عند المريسيع . أثناء ذلك نزلت سورة المنافقين وفيها قوله تعالى : ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ) « 1 » مأساة نفسية بالغة هنالك حسب قوم أن في هذه الآيات قضاء على ابن أبيّ ، وأن محمدا لا ريب آمر بقتله . فذهب عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبيّ ، وكان مسلما حسن الإسلام ، فقال : « يا رسول اللّه ، إنه بلغني إنك تريد قتل عبد اللّه بن أبي فيما بلغك عنه ، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه ، فو اللّه لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرّ بوالده مني . وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس ،

--> ( 1 ) سورة المنافقون آيتا 7 ، 8 .