محمد حسين هيكل
22
حياة محمد ( ص )
تقرّر دساتيرها أن ملكها هو حامي البروتستنتية أو الكثلكة ، أو تقرّر أن دين الدولة الرسمي المسيحية ، لا تقصد من ذلك إلى أكثر من مظاهر الأعياد والمواسم وما يتصل بها ؛ فازدادوا انخراطا في هذا التفكير العلمي وحرصا على الأخذ منه ومما يتصل به من فلسفة وأدب وفن بأوفر نصيب . فلما آن لهم أن ينتقلوا من الدرس إلى الحيّاة العملية ، شغلتهم هذه الحياة عن التفكير في المسائل التي انصرفوا من قبل عن التفكير فيها ، وظل اتجاههم الفكري في تياره الأول ، ينظر إلى الجمود العقلي مشفقا مزدريا ، وينهل من ورد التفكير الغربي والفلسفة الغربية ، فيجد فيهما لذّة ويزداد بهما إعجابا وعلى ما نهل صدر شبابه منهما حرصا . وليس ريب في أن الشرق اليوم في حاجة أشد الحاجة إلى النّهل من ورد الغرب في التفكير وفي الأدب والفن . فقد قطع ما بين حاضر الشرق الإسلامي وماضيه قرون من الجمود والتعصّب غشّت على تفكيره السليم القديم بطبقة كثيفة من الجهل وسوء الظن بكل جديد . فلا مفرّ لمن يريد أن يصهر هذه الطبقة من الاستعانة بأحدث صور التفكير في العالم ، ليستطيع من هذه السبيل أن يصل بين الحاضر الحيّ وثروة الماضي وتراثه العظيم . جهود التجديد الإسلامي ومن الحق علينا للغرب أن نقول : إن ما يقوم به علماؤه اليوم من بحوث نفيسة في تاريخ الدراسات الإسلامية والدراسات الشرقية ، قد مهد لأبناء الإسلام وأبناء الشرق أن يتزيّدوا من هذه البحوث في تلك الدراسات وأن يكونوا أكبر رجاء في الاهتداء إلى الحق ، فهم أقرب بطبعهم إلى حسن إدراك الروح الإسلامي والروح الشرقيّ . وما دام التوجيه الجديد قد بدأ في الغرب ، فواجب عليهم أن يتابعوه وأن يصححوا أغلاطه وأن يبثوا فيه الروح الصحيح الذي يعيده إلى الحياة ويصله بالحاضر ، لا على أنه مجرّد دراسة وبحث ، بل على أنه ميراث روحي وعقلي يجب أن يتمثّله الوارثون ، وأن يضيفوا إليه ، وأن يزيدوا سنا ضيائه بما يزيد الحقيقة الكامنة فيه ضياء ونورا . المبشرون والجامدون وقد توفّر منهم كثيرون على هذه البحوث يقومون اليوم بها على الطريقة العلمية الصحيحة ؛ والمستشرقون أنفسهم يقدرون لهم ذلك ويشيدون بفضلهم فيه . وبينما يقوم هذا التعاون العلمي الجدير بأن يؤتي خير الثمرات ، إذا بنشاط رجال الكنيسة المسيحية لا يفتر في الطعن على الإسلام وعلى محمد طعنا لا يقلّ عما تلوت منه فيما سبقت الإشارة إليه . والاستعمار الغربي يؤيد بقوّته أصحاب هذه المطاعن باسم حرية الرأي ، مع أن أصحاب هذه المطاعن قد أجلوا عن بلادهم وحيل بينهم وبين ما يسمونه تثبيت الإيمان في نفوس إخوانهم في الدين . وهذا الاستعمار يؤيّد كذلك دعاة الجمود من المسلمين . وكذلك تضافر عمل الاستعمار على تأييد ما دسّ على الإسلام منه ، وعلى سيرة الرسول من خرافات لا يسيغها العقل ولا يقبلها الذوق ، وعلى تأييد الطاعنين على الإسلام وعلى محمد بما دسّ على الإسلام وعلى سيرة الرسول . كيف فكرت في وضع هذا الكتاب أتاحت لي ظروف حياتي العملية أن أرى ذلك كله في مختلف بلاد الشرق الإسلامي ، بل في البلاد الإسلامية كلها ، وأن أتبين ما يقصد إليه من القضاء على الروح المعنوية في هذه البلاد بالقضاء على حرية الرأي