محمد حسين هيكل

217

حياة محمد ( ص )

يرتحلوا إلى أذرعات بالشام لم يجد محمد بأسا من قبول عرضهم . تحكيم سعد بن معاذ وحكمه بقتل اليهود وبعثت قريظة إلى محمد تعرض عليه الخروج إلى أذرعات تاركة وراءها ما تملك ، فأبى ذلك عليها إلا أن تنزل على الحكم . فأرسلت إلى الأوس تقول لهم ألا تأخذون لإخوانكم مثلما أخذت الخزرج لإخوانهم ! فمشى جماعة من الأوس إلى محمد فقالوا : يا نبيّ اللّه ، ألا تقبل من حلفائنا مثل الذي قبلت من حلفاء الخزرج ؟ ! قال محمد : يا معشر الأوس ، ألا ترضون أن أجعل بيني وبين حلفائكم رجلا منكم ؟ ! قالوا : بلى . قال : فقولوا لهم فليختاروا من شاؤوا . فاختار اليهود سعد بن معاذ ، وكأنما أعماهم القدر عما كتب لهم في لوح حظهم ، فأنساهم مقدم سعد إليهم أوّل نقضهم عهدهم ، وتحذيره إيّاهم ، ووقوعهم في محمد أمامه ، وسبّهم المسلمين بغير حق . وأخذ سعد المواثيق على الفريقين أن يسلم كلاهما لقضائه وأن يرضى به . فلمّا أعطوه المواثيق ، أمر ببني قريظة أن ينزلوا وأن يضعوا السلاح ، ففعلوا ، فحكم فيهم أن تقتل المقاتلة ، وتقسم الأموال ، وتسبى الذرّية والنساء . فلمّا سمع محمد هذا الحكم قال : والذي نفسي بيده لقد رضي بحكمك هذا اللّه والمؤمنون وبه أمرت . ثم خرج إلى سوق المدينة فأمر فحفرت بها خنادق ثم جيء باليهود أرسالا فضربت أعناقهم ، وفي هذه الخنادق دفنوا . ولم يكن بنو قريظة يتوقعون هذا الحكم من سعد بن معاذ حليفهم . بل كانوا يحسبونه يصنع بهم ما صنع عبد اللّه بن أبيّ مع بني قينقاع . ولعل سعدا ذكر أن الأحزاب لو انتصرت بخيانة بني قريظة لما كان أمام المسلمين إلا أن يستأصلوا وأن يقتلوا وأن يمثّل بهم . فأزاهم بمثل ما عرّضوا المسلمين له . وقد أظهر اليهود من الجلد أمام القتل ما تراه في حديث حييّ بن أخطب حين قدّم لضرب عنقه ، فقد نظر إليه النبيّ وقال : ألم يخزك اللّه يا حيي ، فأجاب حييّ : « كل نفس ذائقة الموت ، ولي أجل لا أعدوه ولا ألوم نفسي على عداوتك » : ثم التفت إلى الناس فقال : « أيها الناس إنه لا بأس بأمر اللّه ، كتاب وقدر وملحمة كتبها اللّه على بني إسرائيل » . ثم إن الزبير بن باطا القرظيّ كان قد منّ على ثابت بن قيس يوم بعاث بأن خلّى سبيله بعد أسره ، فأراد ثابت أن يجزيه ، بعد حكم ابن معاذ على اليهود ، عن يده ، فذكر لرسول اللّه منّة الزبير عليه واستوهبه دمه ، وأجاب رسول اللّه طلبته . فلمّا عرف الزبير ما فعل ثابت قال له : شيخ كبير مثلي لا أهل له ولا ولد ماذا يصنع بالحياة ؟ ! فاستوهب ثابت رسول اللّه دم امرأته فوهبه له ، ثم استوهبه ماله فوهبه له كذلك . فلما اطمأن الزبير إلى أهله وولده وماله سأله عن كعب بن أسد وعن حييّ بن أخطب وعن عزّال بن سمعول وعن زعماء بني قريظة ، فلمّا علم أنهم قتلوا قال : إني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم ، فو اللّه ما في العيش بعد هؤلاء من خير ، فما بصابر اللّه فتلة دلو ناضح « 1 » حتى ألقى الأحبّة . وكذلك ضربت عنقه بمشيئته . وكان المسلمون لا يقتلون في غزواتهم النساء والذّراري ، ولكنهم يومئذ قتلوا امرأة طرحت الرّحا على مسلم فقتلته . وكانت عائشة تقول : واللّه ما أنسى عجبا منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل . وأسلم يومئذ من اليهود أربعة فنجوا من القتل . دم بني قريظة في عنق حيي بن أخطب وفي رأينا أن دم بني قريظة معلّق في عنق حيّي بن أخطب وإن كان قد قتل معهم . فهو قد حنث في العهد الذي عاهد قومه من بني النضير حين أجلاهم محمد عن المدينة ولم يقتل منهم بعد النزول على حكمه أحدا .

--> ( 1 ) أي مقدار هوى الدلو في البئر .