محمد حسين هيكل

201

حياة محمد ( ص )

الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ . لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) « 1 » وتجري السورة بعد ذلك بذكر الإيمان وسلطانه ؛ الإيمان باللّه وحده لا تعرف النفس الإنسانية التي تعرف قيمتها وكرامتها لغيره سلطانا : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ . هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) « 2 » . كان كاتب سرّ النبيّ ، إلى حين إجلاء بني النّضير عن المدينة ، من اليهود ؛ ليتسنّى له أن يبعث من الرسائل بالعبرية والسريانيّة ما يريده . فلمّا جلا اليهود خاف النبيّ أن يستعمل في أسراره غير مسلم ، فأمر فتعلّم زيد بن ثابت من شبّان المدينة المسلمين اللغتين المذكورتين ، وأصبح كاتب سرّ النبيّ في كل شؤونه . وزيد بن ثابت هذا هو الذي جمع القرآن في خلافة أبي بكر ، وهو الذي عاد فراقب الجمع حين اختلفت القراءات في خلافة عثمان ، فوضع مصحف عثمان وأحرقت سائر المصاحف . اطمأنّت المدينة بعد إجلاء بني النضير عنها ، فلم يعد المسلمون يخشون المنافقين فيها واغتبط المهاجرون بما أصابوا من أرض اليهود ؛ واغتبط الأنصار باستغناء المهاجرين عن معونتهم ، وتنفسوا جميعا الصّعداء ، وكانت فترة سكينة وهدوء وطمأنينة استراح إليها المهاجرون والأنصار جميعا . وظلوا كذلك ، حتى إذا استدار العام منذ أحد ذكر محمد عليه السلام قولة أبي سفيان : « يوم بيوم بدر والموعد العام المقبل » ، ودعوته محمدا للقائه ببدر مرّة أخرى . وكان العام عام جدب . وكان أبو سفيان يودّ لو يؤجّل اللقاء إلى عام آخر ، فبعث نعيما إلى المدينة يقول للمسلمين إن قريشا جمعت جيشا لا قبل لجيش في العرب بمواجهته لتحاربهم به حتى تقضي عليهم قضاء لا يعدّ ماتم بأحد إلى جانبه شيئا . وبدا للمسلمين أن يجتنبوا الخطر ، فأظهر الكثيرون الرغبة عن النهوض والسير لبدر . لكن محمدا غضب لهذا الضعف والتراجع ، وصاح بهم مقسما أنه ذاهب إلى بدر ولو ذهب وحده . بدر الآخرة لم يبق بعد هذه الغضبة العظيمة إلا أن يذوب كل تردّد ويزول كل خوف وأن يحمل المسلمون سلاحهم وأن يذهبوا إلى بدر . واستعمل النبي على المدينة عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبيّ بن سلول ، ونزل المسلمون بدرا ينتظرون قريشا مستعدّين لقتالها . وخرجت قريش مع أبي سفيان من مكة في أكثر من ألفي رجل . لكن أبا سفيان بدا له أن يرجع بعد مسيرة يومين ، فنادى في الناس : يا معشر قريش ، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ، وإن عامكم هذا جدب وإني راجع فارجعوا . ورجع الناس . وأقام محمد في جيش المسلمين ينتظرهم ثمانية أيام متتابعة اتّجر المسلمون ببدر فيها فربحت تجارتهم ، ثم عادوا إلى المدينة مستبشرين بفضل من اللّه ونعمة . وفي بدر الآخرة هذه نزل قوله تعالى : ( الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ

--> ( 1 ) سورة الحشر الآيات من 11 إلى 13 . ( 2 ) سورة الحشر من 22 إلى 24 .