محمد حسين هيكل
196
حياة محمد ( ص )
الفصل السادس عشر آثار أحد ائتمار القبائل المجاورة بالمسلمين - غزوة بني أسد - أمر الهذلي - مقتل خبيب وأصحابه بالرجيع - مقتل المسلمين ببئر معونة - إجلاء بني النضير عن المدينة - غزوة بدر الآخرة - غزوة دومة الجندل . سياسة محمد بعد أحد عاد أبو سفيان من أحد إلى مكة ، وقد سبقته إليها أخبار النصر ، ممتلئ النفس غبطة وسرورا بما زال عن قريش من عار بدر . ولم يلبث حين بلغها أن قصد الكعبة قبل أن يدخل إلى بيته ، وبها رفع إلى كبير الهتهم هبل آي الثناء والحمد ؛ ثم حلق لمّته ورجع إلى داره موفيا نذره ألا يقرب زوجه حتى ينتصر على محمد . أمّا المسلمون فألفوا المدينة وقد تنكّر لهم الكثير من أمرها ، على رغم مطاردتهم عدوهم وثباتهم له ثلاثة أيام سويّا من غير أن يجترئ على الرجعة إليهم وهو المنتصر قبل أربع وعشرين ساعة عليهم . ألفوا المدينة وقد تنكّر لهم الكثير من أمرها وإن بقي سلطان محمد فيها السلطان الأعلى ، وشعر عليه السلام بدقة الموقف وحرج المركز ، لا في المدينة وحدها ، بل كذلك عند قبائل العرب ممن كان الرعب منه قد داخل نفوسها ؛ فقد ردّت أحد إليها من السكينة ما سمح لها أن تفكر في معارضته ومناوأته . لذلك حرص على أن يقف من أخبار أهل المدينة ومن أخبار العرب جميعا ، على ما يمكنه من استعادة مكانة المسلمين وسطوتهم وهيبتهم في النفوس . سرية أبي سلمة بن عبد الأسد وكان أول ما بلغه بعد شهرين من أحد أن طليحة وسلمة ابني خويلد ، وكانا على رأس بني أسد ، يحرّضان قومهما ومن أطاعهما يريدان مهاجمة المدينة والسير إلى محمّد في عقر داره ليصيبوا من أطرافه وليغنموا من نعم المسلمين التي ترعى الزروع المحيطة بمدينتهم . وإنما شجعهم على ذلك اعتقادهم أن محمدا وأصحابه لا يزالون مضعضعين من أثر أحد . فما لبث النبيّ حين اتصل به الخبر أن دعا إليه أبا سلمة بن عبد الأسد وعقد له لواء سريّة تبغ عدتها مائة وخمسين ، منهم أبو عبيدة بن الجرّاح ، وسعد بن أبي وقّاص ، وأسيد بن حضير ، وأمرهم بالسير ليلا والاستخفاء نهارا وسلوك طريق غير مطروق حتى لا يطّلع أحد على خبرهم ، فيفجئوا العدوّ بالإغارة عليه على غرّة منه . ونفّذ أبو سلمة ما أمر به حتى جاء القوم ولم يستعدوا لنضال ، فأحاط بهم في عماية الصبح ، وحضّ رجاله وحرّضهم على الجهاد ؛ فلم يستطع المشركون أن يثبتوا لهم ، فوجّه لواءين في طلبهم وطلب الغنيمة ، وأقام هو ومن معه حتى عاد المطاردون بما غنموا ، فنحّوا الخمس للّه ورسوله وللمسكين وابن