محمد حسين هيكل
183
حياة محمد ( ص )
المدينة ، من الناحية السياسية ، على بركان لا مفرّ له من أن ينفجر ؛ وقد كان حصار بني قينقاع وإجلاؤهم عن المدينة أول مظاهر هذا الانفجار . غزوة السويق كان طبيعيّا أن ينكمش غير المسلمين من أهل المدينة بعد إجلاء بني قينقاع عنها ، وأن تبدو من الهدوء والسكينة في المظهر الذي يعقب كل عاصفة وكل إعصار . وعلى هذا الهدوء ظلّ الناس شهرا كاملا كان جديرا أن تتلوه أشهر لولا أن أبا سفيان لم يطق البقاء بمكة ، قابعا تحت خزي هزيمة بدر ، دون أن يعيد إلى أذهان العرب بشبه الجزيرة أن قريشا ما تزال لها قوّتها وعصبيّتها ومقدرتها على الغزو والقتال . لذلك جمع مائتين ، وقيل أربعين ، من رجال مكة وخرج فيهم مستخفين ؛ حتى إذا كانوا على مقربة من المدينة خرجوا سحرا فأتوا ناحية يقال لها العريض ، فوجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما ، وحرّقوا بيتين بالعريض ونخيلا . ثم رأى أبو سفيان أنّ يمينه بغزو محمد برت ، فانكفأ هاربا خائفا أن يطلبه النبيّ وأصحابه . وندب محمد أصحابه فخرجوا في إثره وهو على رأسهم حتى بلغوا قرقرة الكدر ، وأبو سفيان ومن معه جادّون في الفرار يتزايد خوفهم فيلقون ما يحملون من زادهم من السّويق ، فإذا مر المسلمون به أخذوه . ولمّا رأى محمد أن القوم أمعنوا في الفرار عاد وأصحابه إلى المدينة . وقد انقلب فرار أبي سفيان عليه بعد أن كان يحسب الغزوة ترفع رأس قريش من مصاب بدر . وبسبب السّويق الذي ألفت قريش سميت هذه الغزوة من غزوات محمد غزوة السّويق . تهديد طريق الشاطئ إلى الشام استفاضت أنباء محمد هذه بين العرب جميعا . أمّا القبائل البعيدة عنه فظلت في مأمنها لا تغنى إلا قليلا بأمر هؤلاء المسلمين الذين كانوا إلى يوم بدر - أي إلى أشهر قليلة خلت - أذلّة يلتمسون بالمدينة ملجأ ، والذين أصبحوا اليوم يقفون في وجه قريش ، ويجلون بني قينقاع ، ويرسلون الرعب إلى روع عبد اللّه بن أبيّ ، ويطاردون أبا سفيان ، ويظهرون مظهرا لم يكن من قبل مألوفا . فأمّا القبائل القريبة من المدينة فقد بدأت ترى ما يتهدّد مصيرها من قوّة محمد وأصحابه ، ومن تعادل هذه القوة وقوّة قريش بمكة تعادلا تخشى نتائجه . ذلك بأن طريق الشاطئ إلى الشام هي الطريق المعبّدة المعروفة . وتجارة مكة في مرورها بها تفيد هذه القبائل فائدة اقتصادية تذكر . وقد عاهد محمد كثير من القبائل التي تتاخم الشاطئ ، فهدد هذا الطريق وعرّض رحلة الصيف لمخاطر قد تضطر معها قريش إلى العدول عن متاخمة الشاطئ . فما عسى أن يصيب هذه القبائل إذا انقطعت تجارة قريش ؟ وكيف تراهم يحتملون شظف الحياة في هذه البقاع الشديدة الشظف بطبعها ؟ فمن حقها إذا أن تفكر في مصيرها وفيما عسى أن يصيبها من أثر هذا الموقف الجديد الذي لم يعرف قبل هجرة محمد وأصحابه إلى يثرب ، والذي لم يصل إلى ما وصل إليه من تهديد حياة هذه القبائل قبل بدر وانتصار المسلمين فيها . فزع العرب من المسلمين لكن بدرا أدخلت الرعب في قلوب هذه القبائل . أفتراها تغير على المدينة وتحارب المسلمين ، أم ماذا تراها تصنع ؟ بلغ محمدا أن جمعا من غطفان وسليم اعتزم الاعتداء على المسلمين ؛ فخرج إلى قرقرة الكدر ليأخذ عليهم الطريق . فلما وصل إلى ذلك المكان رأى آثار النّعم ولم يجد في المجال أحدا ؛ فأرسل نفرا من أصحابه في أعلى الوادي وانتظر هو في بطنه . فلقي غلاما اسمه يسار ، فسأله فعلم منه أن الجمع ارتفع إلى الماء ؛ فجمع المسلمون ما وجدوا من نعم فاقتسموه بعد أن أخذ محمد الخمس ، كنص القرآن . قيل : وكان ما