محمد حسين هيكل
180
حياة محمد ( ص )
الفصل الرّابع عشر بين بدر وأحد المسلمون واليهود - غزوة بني قينقاع - جلاء اليهود عن المدينة - قريش تتحرك - غزوة السويق - القبائل تتحرك . فتفر - هزيمة صفوان بن أمية . أثر بدر بالمدينة ( يناير سنة 624 م ) تركت بدر بمكة من عميق الأثر ما رأيت . تركت الحرص على الثأر من محمد والمسلمين يوم تتهيأ فرصة الثأر . لكن أثرها بالمدينة كان أوضح وأكثر اتصالا بحياة محمد والمسلمين معه . فقد شعر اليهود والمشركون والمنافقون بعد بدر بمزيد قوّة المسلمين ؛ ورأوا هذا الرجل الأجنبيّ الذي وفد عليهم منذ أقلّ من عامين فارّا مهاجرا من مكة ، يزداد سلطانا وبأسا ، ويكاد يكون صاحب الكلمة في أهل المدينة جميعا لا في أصحابه وحدهم . وكان اليهود ، على ما رأيت ، قد بدأ تذمرهم من قبل بدر وبدأت مناوشاتهم المسلمين ، حتى لكأن ما بين الفريقين من عهد الموادعة هو الذي حال في أكثر من حادث دون الانفجار . لذلك ما كاد المسلمون يعودون من بدر معتزين بالنصر حتى جعلت طوائف المدينة الآخرى تتغامز وتأتمر ، وحتى بدأت تغري بهم وترسل الأشعار في التحريض عليهم . بذلك انتقل ميدان الثورة من مكة إلى المدينة ، وانتقل من الدين إلى السياسة . فلم تبق دعوة محمد إلى اللّه هي وحدها التي تحارب ، بل كان كذلك سلطانه ونفوذ أمره موضع الرهبة والخوف ، وكان لذلك سبب الائتمار به والتفكير في اغتياله ، ولم يكن محمد لتخفي عليه من ذلك كله خافية ؛ بل كان يقع على أخباره جميعا ويتصل بعلمه كل ما يدبّر ضدّه ، وجعلت النفوس من جانبي المسلمين واليهود تمتلئ بالغلّ والضغينة شيئا فشيئا ، رويدا رويدا ، وجعل كل فريق يتربص بصاحبه الدوائر . قتل المسلمين أبا عفك وعصماء وكان المسلمون إلى حين نصرهم اللّه ببدر يخشون مواطنيهم من أهل المدينة ، فلا تبلغ منهم الجرأة إلى الاعتداء على من يعتدي على مسلم منهم . فلما عادوا منتصرين أخذ سالم بن عمير نفسه بالقضاء على أبي عفك ( أحد بني عمرو بن عوف ) ؛ لأنه كان يرسل الأشعار يطعن بها على محمد وعلى المسلمين ، ويحرّض بها قومه على الخروج عليهم ؛ وظل كذلك بعد بدر يغري بهم الناس . فذهب إليه سالم في ليلة صائفة كان أبو عفك نائما فيها بفناء داره ، فوضع سالم السيف على كبده حتى خشّ في الفراش . وكانت عصماء بنت مروان ( من بني أميّة بن زيد ) تعيب الإسلام وتؤذي النبي وتحرض عليه ، وظلت كذلك إلى ما بعد بدر فجاءها يوما عمير بن عوف