محمد حسين هيكل
171
حياة محمد ( ص )
يلبث محمد حين رأى صواب ما أشار به الحباب أن قام ومن معه واتّبع رأي صاحبه ، معلنا إلى قومه أنه بشر مثلهم وأن الرأي شورى بينهم وأنه لا يقطع برأي دونهم ، وأنه في حاجة إلى حسن مشورة صاحب المشورة الحسنة منهم . بناء العريش للنبي ولما بنوا الحوض أشار سعد بن معاذ قائلا : « نبي اللّه ، تبني لك عريشا تكون فيه وتعدّ عندك ركائبك ثم نلقى عدوّنا ؛ فإن أعزّنا اللّه وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الآخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا ؛ فقد تخلّف عنك أقوام يا نبيّ اللّه ما نحن بأشد لك حبّا منهم ، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك ، يمنعك اللّه بهم يناصحونك ويجاهدون معك » . وأثنى محمد على سعد ودعا له بخير ، وبني العريش للنبي ، حتى إذا لم يكن النصر في جانبه وجانب أصحابه لم يقع في يد عدوّه واستطاع اللّحاق بأصحابه في يثرب . هنا موضع لوقفة إعجاب بصدق وفاء المسلمين وعظيم محبّتهم لمحمد وإيمانهم برسالته . فهاءهم أولاء يعلمون أن قريشا تفوقهم في العدد وأنها ثلاثة أمثالهم ، ومع ذلك اعتزموا الوقوف في وجهها وقتالها . وهاهم أولاء يرون الغنيمة فاتتهم فلم يصبح الكسب المادي هو الذي يحفزهم للقتال ، ومع ذلك قاموا إلى جانب النبيّ يؤيدونه ويعزّزونه . وهاهم أولاء تتردّد نفوسهم بين الطمع في النصر وخوف الهزيمة . ومع ذلك فكروا في حماية النبيّ وتوقيته أن يظفر به عدوّه ، ومهدوا له سبيل الاتصال بمن ترك بالمدينة . فأيّ موقف أدعى للإعجاب من هذا الموقف ؟ وأيّ إيمان يكفل النصر كهذا الإيمان ! حمزة يقتل ابن عبد الأسد ونزلت قريش منازل القتال ، ثم بعثوا من يقصّ لهم خبر المسلمين فجاءهم بأنهم ثلاثمائة أو يزيدون قليلا أو ينقصون ، ولا كمين لهم ولا مورد ؛ ولكنهم قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، فلا يموت منهم رجل قبل أن يقتل رجلا مثله . ولمّا كانت صفوة قريش قد خرجوا في هذا الجيش ، خشي بعض ذوي الحكمة منهم أن يقتل المسلمون كثرتهم فلا تبقى لمكة مكانة . لكنهم خافوا حدّة أبي جهل ورمية إياهم بالجبن والخوف ، وإن لم يمنع ذلك عتبة بن ربيعة من أن يقف بينهم قائلا : « يا معشر قريش ، إنكم واللّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا . واللّه لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته . فارجعوا وخلوا بن محمد وسائر العرب ؛ فإن أصابوه فذلك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك لم نتعرّض منه لما تكرهون » . فلمّا بلغت أبا جهل مقالة عتبة استشاط غيظا وبعث إلى عامر بن الحضرميّ يقول له : « هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك ، فقم فأنشد مقتل أخيك » . وقام عامر فصرخ : واعمراه ! فلم يبق بعد ذلك من الحرب مفرّ . وأعجل القتال أن اندفع الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ من بين صفوف قريش إلى صفوف المسلمين يريد أن يهدم الحوض الذي بنوا ؛ فعاجله حمزة بن عبد المطّلب بضربة أطاحت بساقه فسقط إني ظهره تشخب رجله دما ، ثم أتبعها حمزة بضربة أخرى قضت عليه دون الحوض . ولا شيء أرهف لظبا السيوف من منظر الدم : ولا شيء أشدّ إثارة لعواطف القتال والحرب في الإنسان من مرأى رجل مات بيد العدوّ وقومه وقوف ينظرون . وما إن سقط الأسود حتى خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة ودعا إلى المبارزة . وخرج إليه فتية من أبناء المدينة . فلما عرفهم قال لهم : ما لنا بكم من حاجة إنما نريد قومنا . ونادى مناديهم :