محمد حسين هيكل

169

حياة محمد ( ص )

بعيرا وكانت عدّة من خرج مع محمد إلى هذه الغزوة خمسة وثلاثمائة رجل ، منهم ثلاثة وثمانون من المهاجرين وواحد وستون من الأوس والباقون من الخزرج . وانطلق القوم مسرعين من خوف أن يفلت أبو سفيان منهم ، وهم يحاولون حيثما مرّوا أن يقفوا على أخباره . فلما كانوا بعرق الظبية لقوا رجلا من الأعراب فسألوه عن القوم فلم يجدوا عنده خبرا . وانطلقوا حتى أتوا واديا يقال له ذفران نزلوا فيه ، وهناك جاءهم الخبر بأن قريشا قد خرجوا من مكة ليمنعوا عيرهم . إذ ذاك تغيّر وجه الأمر . لم يبق هؤلاء المسلمون مهاجروهم والأنصار أمام أبي سفيان وعيره والثلاثين أو الأربعين رجلا معه ، لا يملكون مقاومة محمد وأصحابه ؛ بل هذه مكة خرجت كلها وعلى رأسها أشرافها للدفاع عن تجارتها . فهب المسلمين أدركوا أبا سفيان وتغلبوا على رجاله وأسروا منهم من أسروا واقتادوا إبله وما عليها ، فلن تلبث قريش أن تدركهم ، يحفزها حرص على مالها والدفاع عنه وتؤازرها كثرة عديدها وعددها ، وأن توقع بهم وأن تستردّ الغنيمة منهم أو تموت دونها . ولكن إذا عاد محمد من حيث أتى طمعت قريش وطمعت يهود المدينة فيه ، واضطر إلى موقف المصانعة ، واضطر أصحابه إلى أن يحتملوا من أذى يهود المدينة مثل ما احتملوا من أذى قريش بمكة . وهيهات إن هو وقف هذا الموقف أن تعلو كلمة الحق وأن ينصر اللّه دينه . مقالة الأنصار استشار الناس وأخبرهم بما بلغه من أمر قريش ؛ فأدلى أبو بكر وعمر برأيهما ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : « يا رسول اللّه ، امض لما أراك اللّه فنحن معك ، واللّه لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون » ، وسكت الناس . فقال الرسول : أشيروا عليّ أيها الناس . وكان يريد بكلمته هذه الأنصار الذين بايعوه يوم العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم ولم يبايعوه على اعتداء خارج مدينتهم . فلما أحس الأنصار أنه يريدهم ، وكان سعد بن معاذ صاحب رايتهم التفت إلى محمد وقال : لكأنك تريدنا يا رسول اللّه ؟ قال : أجل . قال سعد : « لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحقّ ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا . على السمع والطاعة ؛ فامض لما أردت فنحن معك . فوالذي بعثك لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد . وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا . إنا لصبر في الحرب صدق في اللّقاء - لعل اللّه يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة اللّه » . ولم يكد سعد يتم كلامه حتى أشرق وجه محمد بالمسرة وبدا عليه كل النشاط وقال : سيروا وأبشروا ، فإن اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين . واللّه لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم . وارتحلوا جميعا ، حتى إذا كانوا على مقربة من بدر انطلق محمد على بعيره حتى وقف على شيخ من العرب وسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه ، ومنه عرف أن عير قريش منه قريب . إذ ذاك عاد إلى قومه ، فبعث عليّ بن أبي طالب والزّبير بن العوّام وسعد بن أبي وقّاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يتلمّسون له الخبر عليه . وعادت هذه الطليعة ومعها غلامان عرف محمد منهما أن قريشا وراء الكثيب بالعدوة القصوى . ولما أن أجابا أنهما لا يعرفان عدّة قريش ، سألهما محمد كم ينحرون كل يوم ؟ فأجابا : يوما تسعا ويوما عشرا . فاستنبط النبي من ذلك أنهم بين التسعمائة والألف . وعرف من الغلامين كذلك أن أشراف قريش جميعا خرجوا لمنعه ؛ فقال لقومه : « هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها » إذا فلابدّ له ولهم أمام قوم يزيدون عليهم في العدد ثلاثة أضعاف أن يشحذوا عزائمهم ، وأن يوطّنوا على الشدة أفئدتهم ونفوسهم ، وأن ينتظروا موقعة حامية الوطيس لا يكون النصر فيها إلا لمن ملأ الإيمان بالنصر قلبه . وكما عاد عليّ ومن معه بالغلامين وبخبر قريش معهما ذهب اثنان من المسلمين حتى نزلا بدرا ، فأناخا إلى