محمد حسين هيكل
167
حياة محمد ( ص )
الفصل الثالث عشر غزوة بدر الكبرى خروج أبي سفيان إلى الشام - محاولة المسلمين قطع الطريق عليه - نجاته في الذهاب ! انتظارهم إياه في أوبته - علم قريش بتجهيز المسلمين - خروجهم إلى بدر - نجاة أبي سفيان بتجارته - تردد قريش والمسلمين في القتال - زوال التردد - موقف الفريقين في بدر - حماسة المسلمين وانتصارهم . كانت سريّة عبد اللّه بن جحش مفترق طرق في سياسة الإسلام ، فيها رمى واقد بن عبد اللّه التميميّ عمرو بن الخضرميّ بسهم فقتله ، فكان أوّل دم أراق المسلمون . وفيها نزلت الآية التي قدّمنا ؛ ، وعلى أثرها شرع قتال الذين يفتنون المسلمين عن دينهم ويصدّون عن سبيل اللّه . وكانت هذه السرّية مفترق طرق كذلك في سياسة المسلمين إزاء قريش ، أن جعلت الفريقين يتناظران بأسا وقوّة . فقد جعل المسلمون يفكرون من بعدها تفكيرا جدّيا في استخلاص أموالهم من قريش بغزوهم وقتالهم . ذلك بأن قريشا حاولت إثارة شبه الجزيرة كلها على محمد وأصحابه أن قتلوا في الشهر الحرام ؛ حتى لقد أيقن محمد أن لم يبق في مصانعتهم أو في اتفاق معهم رجاء . وقد خرج أبو سفيان في أوائل الخريف من السنة الثانية للهجرة في تجارة كبيرة يقصد الشام ، وهي التجارة التي أراد المسلمون اعتراضها حين خرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى العشيرة . لكنهم إذ بلغوها كانت قافلة أبي سفيان قد مرّت بها ليومين من قبل وصولهم إليها ؛ إذ ذاك اعتزم المسلمون انتظارها في عودتها . ولما تحيّن محمد انصرافها من الشام بعث طلحة بن عبيد اللّه وسعيد بن زيد ينتظران خبرها ، فسارا حتى نزلا على كشد الجهنيّ بالحوراء وأقاما عنده في خباء حتى مرّت العير ، فأسرعا إلى محمد ليفضيا إليه بأمرها وما رأيا منها . على أن محمدا لم ينتظر رسوليه إلى الحوراء وما يأتيان به من خبر العير ؛ فقد ترامى إليه أنها عير عظيمة ، وأن أهل مكة جميعا اشتركوا فيها ، لم يبق أحد منهم من الرجال والنساء استطاع أن يساهم فيها بحظ إلا فعل ، حتى قوّم ما فيها بخمسين ألفا من الدنانير . ولقد خشي إن هو انتظرها أن تفوته العير في عودتها إلى مكة كما فاتته في ذهابها إلى الشام . لذلك ندب المسلمين وقال لهم : هذه عير قريش ؛ فأخرجوا إليها لعل اللّه ينفلكموها . وخفّ بعض الناس وثقل بعض ، وأراد جماعة لم يسلموا أن ينضموا طمعا في الغنيمة ، فأبى محمد عليهم الانضمام أو يؤمنوا باللّه ورسوله .