محمد حسين هيكل
162
حياة محمد ( ص )
ولا يفسّر أخذ مؤرخي محمد به إلا أنهم لم يترجموا لمحمد إلا في أواخر القرن الثاني للهجرة ، وأنهم كانوا متأثرين بالمغازي التي حدثت بعد ذلك منذ بدر الكبرى ، فاعتبروا ما سبقها من مناوشات يقصد بها إلى غير الحرب مغازي تضاف إلى حروب المسلمين أيّام النبي . والظاهر أن كثيرين من المستشرقين قد فطنوا لهذا الاعتراض وإن لم يشيروا في كتبهم إليه . وإنما يدعونا إلى الظن بفطنتهم له أنهم ، مع مجاراتهم مؤرخي المسلمين في قصد المهاجرين ومحمد على رأسهم إلى حرب أهل مكة منذ الساعة الأولى من مقامهم بالمدينة ، قد أشاروا إلى أن هذه السرايا الأولى إنما كان يقصد بها إلى نهب تجارة القوافل ، فإن النهب كان بعض طباع أهل البادية ، وإن أهل المدينة إنما أغرتهم الغنيمة والسّلب باتباع محمد على خلاف عهدهم في العقبة ، وهذا كلام مردود ، لأن أهل المدينة كأهل مكة لم يكونوا أهل بادية يعيشون على السلب والنهب ، وأنهم فوق ذلك كان في طبعهم ما في طبع من يعيشون على الزراعة من حب الاستقرار مما يجعلهم لا يتحركون إلى قتال إلا لدافع قويّ . أمّا المهاجرون فكان من حقهم أن يستخلصوا من أيدي قريش ما أخذت من أموالهم ؛ لكنهم لم يستعجلوا ذلك قبل بدر ، فلم يكن هو الدافع لإرسال السرايا والغزوات الأولى . ثم إن القتال لم يشرع في الإسلام ولم يقم به محمد وأصحابه لهذه الغاية البدوية التي يتوهم المستشرقون ، وإنما شرع وقام به محمد وأصحابه حتى لا يفتنهم عن دينهم أحد ، وحتى يكون لهم من حرية الدعوة ما يشاؤن . وسنرى من بعد تفصيل هذا والدليل عليه . وعندئذ يزداد أمامنا وضوحا أن محمدا إنما كان يرمي من المعاهدات التي عقد إلى تعزيز المدينة ، حتى لا يتطرق إلى قريش فيها مطمع ، فلا يحاولوا إعنات المسلمين فيها كما حاولوا من قبل إعادتهم من بلاد الحبشة ؛ وأنه كان لا يأبى في الوقت نفسه أن يعاهد قريشا على أن تترك حرية الدعوة لدين اللّه طليقة ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين للّه . إرهاب اليهود ولعل محمدا رمى من وراء هذه السرايا والرحلات المسلحة إلى غرض آخر . لعله رمى إلى إرهاب اليهود المقيمين في المدينة وعلى مقربة منها . فقد رأيت أن هؤلاء اليهود بعد أن طمعوا أوّل وصول محمد إلى المدينة في ضمه إليهم ، وبعد أن وادعوه وعاهدوه على حريّة الدعوة للدين ، وعلى إقامة شعائره وفرائضه . لم يلبثوا ، حين رأوا أمر محمد يستقر ولواء الإسلام يسمو ويرتفع ، أن بدؤا يقبلون للنبيّ ظهر المجنّ ويعملون للوقيعة به . ولئن قعدوا عن مصارحته بالعداوة خشية أن تتعرض مصالحهم التجارية للارتباك إذا نشبت بين أهل المدينة حرب أهلية ، أو محافظة على عهد موادعتهم ، لقد لجأوا إلى كل وسيلة للدس بين المسلمين ولإثارة البغضاء بين المهاجرين والأنصار ، ولإيقاظ الأحقاد الماضية بين الأوس والخزرج بذكر يوم بعاث ورواية ما قيل من الشعر فيه . دسائس اليهود وقد فطن المسلمون لدسّهم ولمبالغتهم فيه ، وبلغوا من ذلك أن حشروهم في زمرة المنافقين ، بل اعتبروهم شرّا منهم ، فأخرجوهم من المسجد إخراجا عنيفا ، وأبوا عليهم أن يجلسوا إليهم أو أن يتحدّثوا معهم ؛ وانتهى النبيّ عليه السلام إلى الإعراض عنهم بعد إذ حاول إقناعهم بالحجة والدليل ، وطبيعيّ لو ترك حبل يهود المدينة هؤلاء على غاربهم ، أن يستفحل أمرهم ويثيروا الفتنة التي يسعون لإثارتها . وليس يكفي في عرف الدقّة السياسية التحذير منهم والتنبيه إلى كيدهم ، بل لا بد من إشعارهم أن للمسلمين من القوة ما يمكنهم من إخماد أية فتنة تقوم ، ومن القضاء على أسبابها واجتثاث أصولها . وخير وسيلة لهذا الإشعار إرسال السرايا والقيام بالمناوشات الحربية في مختلف الأنحاء على ألا تتعرّض قوّات المسلمين لهزيمة تطمع اليهود كما