محمد حسين هيكل

149

حياة محمد ( ص )

أما الذين لم يشتغلوا بالتجارة ، ومن بينهم أبو بكر وعمر وعليّ بن أبي طالب وغيرهم . فقد عملت أسرهم في الزراعة في أراضي الأنصار مزارعة مع ملاكها . وكان غير هؤلاء وأولئك يلقون من الحياة شدّة وبأساء ؛ لكنهم كانوا يأبون أن يعيشوا كلّا على غيرهم ؛ فكانوا يجهدون أنفسهم في العمل أشد الجهد ، ويجدون في ذلك من لذة الطمأنينة لأنفسهم ولعقيدتهم ما لم يكونوا يجدونه بمكة . على أن جماعة من العرب الذين وفدوا على المدينة وأسلموا ، كانوا في حال من العوز والمتربة ، حتى لم يكن لأحدهم سكن يلجأ إليه . هؤلاء أفرد محمد لهم صفة المسجد ( وهي المكان المسقوف منه ) يبيتون بها ويأوون إليها ، ولذلك سموا أهل الصّفة ، وجعل لهم رزقا من مال المسلمين والأنصار الذين آتاهم اللّه رزقا حسنا . مودة محمد واليهود اطمأن محمد إلى وحدة المسلمين بهذه المؤاخاة . وهي لا ريب حكمة سياسية تدل على سلامة تقدير وبعد نظر ، نتبين مقدارهما حين نقف على ما كان من محاولة المنافقين الوقيعة بين الأوس والخزرج من المسلمين وبين المهاجرين والأنصار لإفساد أمرهم . لكن العمل السياسي الجليل حقّا والذي يدل على أعظم الاقتدار ، ذلك ما وصل به محمد إلى تحقيق وحدة يثرب وإلى وضع نظامها السياسي بالاتفاق مع اليهود على أساس متين من الحرية والتحالف . وقد رأيت اليهود كيف أحسنوا استقباله أملا في استدراجه إلى صفوفهم . وقد بادر هو إلى رد تحيتهم بمثلها ، وإلى توثيق صلاته بهم ؛ فتحدث إلى رؤسائهم وتقرّب إليه كبراؤهم ، وربط بينه وبينهم برابطة المودة باعتبار أنهم أهل كتاب موحدون . وبلغ من ذلك أن كان يصوم يوم صومهم ، وكانت قبلته في الصلاة ما تزال إلى بيت المقدس قبلة أنظارهم ومثابة بني إسرائيل جميعا . وما كانت الأيام لتزيده باليهود أو لتزيد اليهود به إلا مودة وقربى . كما أن سيرته ، وعظيم تواضعه ، وجميل عطفه ، وحسن وفائه ، وفيض برّه بالفقير والبائس والمحروم ، وما أورثه ذلك من قوّة السلطان على أهل يثرب ؛ كل ذلك وصل بالأمر بينه وبينهم إلى عقد معاهدة صداقة وتحالف وتقرير لحرية الإعتقاد . معاهدة هي ، في اعتقادنا ، من الوثائق السياسية الجديرة بالإعجاب على مرّ التاريخ . وهذا الطور من حياة الرسول لم يسبقه إليه نبي أو رسول . فقد كان عيسى وكان موسى وكان من سبقهما من الأنبياء يقفون عند الدعوة الدينية يبلغونها للناس من طريق الجدل ومن طريق المعجزة ، ثم يتركون لمن بعدهم من الساسة وذوي السلطان أن ينشروا هذه الدعوة بالمقدرة السياسية وبالدفاع عن حرية الناس في الإيمان بها ، ولو دفاعا مسلحا فيه الحرب والقتال ، انتشرت المسيحية على يد الحواريين من بعد عيسى ، فظلوا ومن تبعهم يعذبون ، حتى جاء من الملوك من لان قلبه لهذا الدين فاواه ونشره . وكذلك كان أمر سائر الأديان في شرق العالم وغربه . فأما محمد فقد أراد اللّه أن يتم نشر الإسلام وانتصار كلمة الحق على يديه ، وأن يكون الرسول والسياسيّ والمجاهد والفاتح ، كل ذلك في سبيل اللّه ، وفي سبيل كلمة الحق التي بعث بها . وهو قد كان في ذلك كله عظيما ، وكان مثل الكمال الإنساني على ما يجب أن يكون . كتب محمد بين المهاجرين والأنصار كتابا واعد فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم ، واشترط عليهم وشرط لهم . وهذا الكتاب : « بسم اللّه الرحمن الرحيم » « هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم . أنهم أمة واحدة من دون الناس . المهاجرون من قريش على ربعتهم « 1 » يتعاقلون بينهم وهم يفدون

--> ( 1 ) على ربعتهم ، أي على استقامتهم ، يريد على أمرهم الذي كانوا عليه .