محمد حسين هيكل
136
حياة محمد ( ص )
الأوس أن تسلموني فافعلوا . فعاد الأوس للقتال وبهم من الألم مما أصابهم ما جعلهم يستبسلون مستيئسين ، فيهزمون الخزرج شرّ هزيمة . وجعلت الأوس تحرق على الخزرج نخلها ودورها ، حتى أجارها سعد بن معاذ الأشهلي . وأراد حضير أن يأتي الخزرج قصرا قصرا ، ودارا دارا ، يقتل ويهدم لا يبقي منهم أحدا ، لولا أن منعه أبو قيس بن الأسلت إبقاء على بني دينهم ؛ « فجوارهم خير من جوار الثعالب » . واستعادت اليهود بعد هذا اليوم مكانتها بيثرب . ورأى المنتصر والمهزوم من الأوس والخزرج جميعا سوء ما صنعوا ، وفكروا في عاقبة أمرهم ، وتطلعوا إلى إقامة ملك عليهم . واختاروا لذلك عبد اللّه بن محمد من الخزرج المهزومة لمكانته وحسن رأيه . لكن تطوّر الأحوال تطوّرا سريعا حال دون ما أرادوا . ذلك أن نفرا من الخزرج خرجوا إلى مكة في موسم الحج ، فلقيهم محمد فسألهم عن شأنهم وعرف أنهم من موالي يهود . وقد كان اليهود بيثرب يقولون لهم إذا اختلفوا وإياهم : إن نبيّا مبعوثا الآن قد أطل زمانه ، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم . فلما كلم النبيّ أولئك النفر ودعاهم إلى اللّه ، نظر بعضهم إلى بعض وقالوا : واللّه إنه للنبي الذي تواعدكم به يهود ، فلا يسبقنّكم إليه . وأجابوا محمدا إلى دعوته وأسلموا ، وقالوا له : « إنّا قد تركنا قومنا - أي الأوس والخزرج - ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم ، فعسى أن يجمعهم اللّه بك . وإن يجمعهم عليك فلا رجل أعز منك » . وعاد هؤلاء النفر إلى المدينة ، ومن بينهم اثنان من بني النجار أخوال عبد المطلب جد محمد الذي كفله منذ مولده ، فذكروا لقومهم إسلامهم ، فألفوا قلوبا منشرحة ونفوسا متلهفة لدين يجلهم موحدين كاليهود ، بل يجعلهم خيرا منهم ، فلم تبق دار من دور الأوس والخزرج جميعا إلا فيها ذكر محمد عليه السلام . العقبة الأولى فلما استدار العام وعادت الأشهر الحرم وجاء موعد الحج لمكة ، أتى الموسم اثنا عشر رجلا من أهل يثرب فالتقوا هم والنبي بالعقبة ، فبايعوه بيعة العقبة الأولى . بايعوه على ألا يشرك أحدهم باللّه شيئا ، ولا يسرق ولا يزني ، ولا يقتل أولاده ولا يأتي ببهتان يفتريه بين يديه ولا رجليه ولا يعصيه في معروف ، فإن وفي ذلك فله الجنة ، وإن غشي من ذلك شيئا فأمره إلى اللّه ، إن شاء عذب وإن شاء غفر . وأنفذ محمد معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن ، ويعلمهم الإسلام ، ويفقههم في الدين . ازداد الإسلام بعد هذه البيعة بيثرب انتشارا . وأقام مصعب بين المسلمين من الأوس والخزرج يعلمهم دينهم ، ويرى مغتبطا ازدياد الأنصار لأمر اللّه ولكلمة الحق . فلما آذنت الأشهر الحرم أن تعود ، لحق بمكة وقصّ على محمد خبر المسلمين بالمدينة ، وما هم عليه من منعة وقوة ، وأنهم سيجيئون إلى مكة موسم حج هذا العام الجديد أكثر عددا وأعظم باللّه إيمانا . دعت أخبار مصعب محمدا أن يفكر في الأمر طويلا . هاهم أولاء أتباعه بيثرب يزدادون كل يوم عددا وسلطانا ، ولا يجدون من أذى اليهود ولا من أذى المشركين ما يجد زملاؤهم بمكة من أذى قريش . وها هي ذي يثرب بها من الرخاء أكثر مما بمكة ، بها زرع ونخيل وأعناب . أوليس من الخير أن يهاجر المسلمون المكيون إلى إخوانهم هناك ليجدوا عندهم أمنا ، وليسلموا من فتنة قريش إياهم عن دينهم ! وذكر محمد أثناء تفكيره أولئك النّفر من يثرب الذين كانوا أول من أسلم ، والذين ذكروا ما بين الأوس والخزرج من عداوة ، أنهم إذا جمعهم اللّه به فلا رجل أعزّ منه . أوليس من الخير ، وقد جمعهم اللّه به ، أن يهاجر هو أيضا ! إنه لا يحب أن يردّ على قريش مساآتها وهو يعلم أنه أضعف منها ، وأن بني هاشم وبني المطلب إن منعوه من الاعتداء عليه فلن ينصروه معتديا ، ولن يمنعوا الذين اتّبعوه من اعتداء قريش عليهم ومن إصابتها إياهم بأنواع المساءة . وإذا كان الإيمان