محمد حسين هيكل
134
حياة محمد ( ص )
أنحاء شبه الجزيرة بمكة ، بادأ القبائل فدعاها إلى الحق الذي جاء به ، غير آبه أن تبدي هذه القبائل الرغبة عن دعوته والإعراض عنه ، أو تردّه ردّا غير جميل . ويتحرّش به بعض سفهاء قريش حين إبلاغه الناس رسالة ربه وينالونه بالسوء ، فلا تغير مساآتهم رضا نفسه وطمأنينتها إلى غده . إن اللّه ذا الجلال قد بعثه بالحق ، فهو لا ريب ناصر هذا الحق ومؤيده . وهو قد أوحي إليه أن يجادل الناس بالتي هي أحسن ، ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) « 1 » ، وأن يقول لهم قولا لينا لعلهم يذكرون أو يخشون . فليصبر على أذاهم ، إن اللّه مع الصابرين . تباشير الفوز من يثرب ولم يطل بمحمد الانتظار أكثر من بضع سنين حتى بدت له في الأفق تباشير الفوز آتية طلائعها من ناحية يثرب . ولمحمد بيثرب علاقة غير علاقة التجارة ؛ له بها علاقة قربى ، وله فيها قبر كانت أمّه تحج إليه قبل موتها في كل عام مرّة . أمّا ذوو قرباه فأولئك بنو النّجّار أخوال جده عبد المطلب . وأما ذلك القبر فقبر أبيه عبد اللّه بن عبد المطلب . إلى هذا القبر كانت تحج آمنة الزوج الوفية ، وكان يحج عبد المطلب الأب الذي فقد ابنه وهو في شرخ شبابه وريعان قوّته . وقد صحب محمد أمّه إلى يثرب في السادسة من عمره ، فزار معها قبر أبيه ثم قفلا عائدين ، فمرضت آمنة في الطريق وماتت ودفنت بالأبواء في منتصف الطريق بين يثرب ومكة . فلا عجب أن تبدأ تباشير الفوز لمحمد من ناحية بلد له به هذه الصلة وإلى ناحيته كان يتجه حين يصلي جاعلا قبلته المسجد الأقصى ببيت المقدس ، مقام سلفيه موسى وعيسى ، ولا عجب أن تهيّئ المقادير ليثرب هذا الحظ ليتم لمحمد بها النصر ، وللإسلام بها الفوز والانتشار . الأوس والخزرج واليهود هيأت المقادير ليثرب هذا الحظ بما لم تهيئه لبلد آخر . فقد كان الأوس والخزرج من عباد الأوثان بيثرب يجاورون يهودها جوارا كثيرا ما شابته البغضاء وما تعدى البغضاء إلى القتال . وإن التاريخ ليروي أن المسيحيين في الشام ، ممن كانوا يتبعون الدولة الرومانية الشرقية ، وكانوا يمقتون اليهود أشد المقت لاعتقادهم أنهم هم الذين صلبوا المسيح ونكلوا به ، قد أغاروا على يثرب ليقتلوا يهودها . فلما لم يظفروا بهم استعانوا بالأوس والخزرج على استدراجهم ، ثم قتلوا عددا منهم غير قليل . وأنزل ذلك اليهود عن مكان السيادة الذي كان لهم ، ورفع عرب الأوس والخزرج إلى مكانة غير مكانة العمال التي كانوا مقصورين من قبل عليها . وقد حاول العرب بعد ذلك أن يوقعوا باليهود مرة أخرى ليزدادوا في المدينة العامرة بالزراعة والماء سلطانا ، فنجحوا في كيدهم بعض النجاح ، ثم فطن اليهود لوقيعتهم بهم . بذلك تمكنت العداوة والبغضاء في نفوس يهود يثرب لأوسها وخزرجها ، وفي نفوس الأوس والخزرج لليهود . ورأى اتباع موسى أن مقابلة القتال بالقتال قد تهوي بهم إلى الفناء إذا وجد الأوس والخزرج حذلفا من بني دينهم العرب على أهل الكتاب هؤلاء ، فسلكوا في سياستهم خطة غير خطة الغلب في المعارك . لجئوا إلى سياسة الوقيعة والتفريق ، بأن دسوا بين الأوس والخزرج وأغروا بينهم بالعداوة والبغضاء حتى جعلوا كل فريق على أهبة مستمرة للقتل والقتال . بذلك أمن اليهود عدوانهم ، وجعلوا يزيدون في تجارتهم وفي ثروتهم ويستعيدون ما فقدوا من سيادة ، ويستردون ما أضاعوا من دار ومن عقار .
--> ( 1 ) سورة فصلت آية 34 .