محمد حسين هيكل

131

حياة محمد ( ص )

وليس يستطيع هذا السمو إلا قوة فوق ما تعرف الطبائع الإنسانية . فإذا جاء بعد ذلك ممن اتّبعوا محمدا من عجز عن متابعته في سمو فكرته وقوة إحاطته بوحدة الكون في كماله وفي جهاده لبلوغ هذا الكمال ؛ فلا عجب في ذلك ولا عيب فيه . والممتازون من الناس والموهوبون منهم درجات . وبلوغنا الحقيقة معرّض دائما لهذه الحدود التي تعجز قوانا عن تخطيها . وإذا كان من القياس مع الفارق أن نذكر ، لمناسبة ما نحن الآن بصدده ، قصة أولئك المكفوفين الذين أرادوا أن يعرّفوا الفيل ما هو ، فقال أحدهم : إنه حبل طويل لأنه صادف ذنبه ، وقال الآخر : إنه غليظ كالشجرة لأنه صادف رجله ، وقال ثالث : إنه مدبب كالرمح لأنه صادف سنه ، وقال رابع : إنه مستدير ملتو كثير الحركة لأنه صادف خرطومه - فإن هذا المثل ، مقرونا إلى الصورة التي تتكون لدى المبصر من الفيل لأول ما يراه ، يسمح لنا بالموازنة بين إدراك محمد كنه وحدة الكون والوجود وتصويره في الإسراء والمعراج حيث يتصل بأول الزمن من قبل آدم إلى آخره يوم البعث ، وحيث تنعدم نهائية المكان . إذ يطل بعين البصيرة من لدن سدرة المنتهى إلى هذا الكون يصبح أمامه سديما . وبين ما يستطيع الكثيرون إدراكه من حكمة هذا الإسراء والمعراج ؛ إذ يقفون عند تفاصيل ليست من وحدة الكون وحياته إلا كذرات الجسم ، بل كالذّرات العالقة به من غير أن يتأثر بها نظامه . أين الواحدة من هذه الذرات من حياة هذا الجسم من نبض قلبه وإشراق روحه وضياء ذهنه وامتلائه بالحياة التي لا تعرف حدّا ، لأنها تتصل من الوجود بكل حياة الوجود ؟ والإسراء بالروح هو في معناه كالإسراء والمعراج بالروح جميعا سمّوا وجمالا وجلالا . فهو تصوير قويّ للوحدة الروحية من أزل الوجود إلى أبده . فهذا التعريج على جبل سيناء حيث كلم اللّه موسى تكليما ، وعلى بيت لحم حيث ولد عيسى ، وهذا الاجتماع الروحيّ ضمّت الصلاة فيه محمدا وعيسى وموسى وإبراهيم ، مظهر قويّ لوحدة الحياة الدينية على أنها من قوام وحد الكون في موره الدائم إلى الكمال . والعلم في عصرنا الحاضر يقرّ هذا الإسراء بالرّوح ، ويقرّ المعراج بالروح ؛ فحيث تتقابل القوى السليمة يشعّ ضياء الحقيقة ؛ كما أن تقابل قوى الكون في صورة معيّنة قد طوّع « لماركوني » ؛ إذ سلّط تيارا كهربيّا خاصّا من سفينته التي كانت راسية بالبندقية ، أن يضيء بقوة الأثير مدينة سدني في أستراليا . وفي عصرنا هذا يقرّ العلم نظريات قراءة الأفكار ومعرفة ما تنطوي عليه ، كما يقرّ انتقال الأصوات على الأثير بالراديو ، وانتقال الصور والمكتوبات كذلك ، مما كان يعتبر فيما مضى بعض أفانين الخيال . وما تزال القوى الكمينة في الكون تتكشّف لعلمنا كل يوم عن جديد . فإذا بلغ روح من القوّة ومن السلطان ما بلغت نفس محمد ، فأسرى به اللّه ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته ، كان ذلك مما يقرّ العلم ، وكانت حكمة ذلك هذه المعاني القوية السامية في جمالها وجلالها ، والتي تصور الوحدة الروحية ووحدة الكون في نفس محمد تصويرا صريحا ، يستطيع الإنسان أن يصل إلى إدراكه إذا هو حاول السموّ بنفسه عن أوهام العاجلة في الحياة ، وحاول الوصول إلى كنه الحقيقة ليعرف مكانه ومكان العالم كله منها . ريبة قريش وارتداد بعض من أسلم لم يكن العرب من أهل مكة ليستطيعوا إدراك هذه المعاني ؛ لذلك ما لبثوا حين حدثهم محمد بأمر إسرائه أن وقفوا عند الصور المادية من أمر هذا الإسراء وإمكانه أو عدم إمكانه ، ثم ساور أتباعه والذين صدقوه أنفسهم بعض الريب فيما يقوله . وقال كثيرون : هذا واللّه الأمر البين . واللّه إنّ العير لتطّرد « 1 » شهرا من مكة

--> ( 1 ) أي تتابع سيرها من غير انقطاع .