محمد حسين هيكل

114

حياة محمد ( ص )

تجري بأن محمدا ركن إلى قريش بالفعل . وأن قريشا فتنته بالفعل فقال على اللّه ما لم يقل . والآيات هنا تفيد أن اللّه ثبّته فلم يفعل . فإذا ذكرت كذلك أن كتب التفسير وأسباب النزول جعلت لهذه الآيات موضعا غير مسألة الغرانيق ، رأيت أن الاحتجاج بها في مسألة تتنافى مع عصمة الرسل في تبليغ رسالاتهم ، وتتنافى مع تاريخ محمد كله ، احتجاج متهافت ، بل احتجاج سقيم . أما الآيات ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ . . . ) فلا صلة لها بحديث الغرانيق البتة ، فضلا عن ذكرها أن اللّه ينسخ ما يلقي الشيطان ويجعله فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ، ويحكم اللّه آياته واللّه عليم حكيم . وندع هذا إلى تمحيص القصة التمحيص العلمي الذي يثبت عدم صحتها . وأوّل ما يدل على ذلك تعدّد الروايات فيها ، فقد رويت ، كما سبق القول على أنها : تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى . ورواها بعضهم : « الغرانقة العلا إن شفاعتهم ترتجى » . وروى آخرون : « إن شفاعتهم ترتجى » دون ذكر الغرانقة أو الغرانيق . وفي رواية رابعة : « وإنها لهي الغرانيق العلا » وفي رواية خامسة : « وإنهن لهن الغرانيق العلا . وإن شفاعتهم لهي التي ترتجى » وقد وردت في بعض كتب الحديث روايات أخرى غير هذه الروايات الخمس . وهذا التعدّد في الروايات يدلّ على أن الحديث موضوع ، وأنه من وضع الزنادقة ، كما قال ابن إسحاق ، وأن الغرض منه التشكيك في صدق تبليغ محمد رسالات ربه . ودليل آخر أقوى وأقطع ؛ ذلك سياق سورة النجم وعدم احتماله لمسألة الغرانيق . فالسياق يجري بقوله تعالى : ( لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى . أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى . إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ) « 1 » . وهذا السياق صريح في أن اللّات والعزّى أسماء سمّاها المشركون هم وآباؤهم ما أنزل اللّه بها من سلطان . فكيف يحتمل أن يجري السياق بما يأتي : « أفرأيتم اللّات والعزّى . ومناة الثالثة الآخرى . تلك الغرانيق العلا . إن شفاعتهنّ ترتجى . ألكم الذكر وله الأنثى . تلك إذا قسمة ضيزى . إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللّه بها من سلطان » إن في هذا السياق من الفساد والاضطراب والتناقض ، ومن مدح اللّات والعزّى ومناة الثالثة الآخرى وذمها في أربع آيات متعاقبة ، ما لا يسلّم به عقل ولا يقول به إنسان ، ولا تبقى معه شبهة في أن حديث الغرانيق مفترى وضعه الزنادقة لغاياتهم ، وصدّقه من يسيغون كل غريب ومن تقبل عقولهم ما لا يسيغ العقل المنطقيّ . وحجة أخرى ساقها المغفور له الأستاذ محمد عبده حين كتب يفنّد قصة الغرانيق . تلك أن وصف العرب لألهتهم بأنها الغرانيق لم يرد في نظمهم ولا في خطبهم ، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم . وإنما ورد الغرنوق والغرنيق على أنه اسم لطائر مائيّ أسود أو أبيض ، والشابّ الأبيض الجميل . ولا شيء من ذلك يلائم معنى الآلهة أو وصفها عند العرب . صدق محمد يأبى صحة القصة بقيت حجة قاطعة ، نسوقها للدلالة على استحالة قصة الغرانيق هذه من حياة محمد نفسه ؛ فهو منذ

--> ( 1 ) الآيات من 18 إلى 23 .