محمد حسين هيكل
112
حياة محمد ( ص )
لشتم آلهتهم فعادوا له بالشّر . وأتمر المسلمون ما يصنعون ، فلم يطيقوا عن لقاء أهلهم صبرا فدخلوا مكة . وإنما ارتدّ محمد عن ذكر آلهة قريش بالخير ، في مختلف الروايات التي أثبتت هذا الخبر ، لأنه كبر عليه قول قريش : « أمّا إذ جعلت لآلهتنا نصيبا فنحن معك » ، ولأنه جلس في بيته ، حتى إذا أمسى أتاه جبريل فعرض النبيّ عليه سورة النجم ، فقال جبريل أوجئتك بهاتين الكلمتين ؟ ! - مشيرا إلى « تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى » . قال محمد : قلت على اللّه ما لم يقل ! ثم أوحى اللّه إليه : ( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا . إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ) « 1 » . وبذلك عاد يذكر آلهة قريش بالشر ويسبهم ، وعادت قريش لمناوأته وإيذاء أصحابه . تهافت حديث الغرانيق وهذا حديث الغرانيق ؛ رواه غير واحد من كتّاب السيرة ، وأشار إليه غير واحد من المفسرين ، ووقف عنده كثيرون من المستشرقين طويلا . وهو حديث ظاهر التهافت ينقضه قليل من التمحيص . وهو بعد حديث ينقض ما لكل نبيّ من العصمة في تبليغ رسالات ربه . فمن عجب أن يأخذ به بعض كتّاب السيرة وبعض المفسرين المسلمين : ولذلك لم يتردّد ابن إسحاق حين سئل عنه في أن قال : إنه من وضع الزنادقة . ولكن بعض الذين أخذوا به حاولوا تسويغه استندوا إلى الآيات : ( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ . . ) ، وإلى قوله تعالى : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ) « 2 » . ويفسر بعضهم كلمة « تمنّى » في الآية بمعنى قرأ ، ويفسرها آخرون بمعنى الأمنية المعروفة . ويذهب هؤلاء وأولئك ، ويتابعهم المستشرقون ، إلى أن النبيّ بلغ منه أذى المشركين أصحابه ؛ إذ كانوا يقتلون بعضهم ويلقون بعضا في الصحراء يلفحهم لظى الشمس المحرقة ، وقد أوقروهم بالحجارة كما فعلوا ببلال ، حتى اضطر إلى الإذن لهم في الهجرة إلى الحبشة . كما بلغ منه جفاء قومه إيّاه وإعراضهم عنه . ولمّا كان حريصا على إسلامهم ونجاتهم من عبادة الأصنام ، تقرّب إليهم وتلا سورة النجم وأضاف إليها حكاية الغرانيق ، فلما سجد سجدوا معه ، وأظهروا له الميل لاتباعه ما دام قد جعل لآلهتهم نصيبا مع اللّه . ويضيف سيروليم موير إلى هذه الرواية ، التي وردت في بعض كتب السيرة وكتب التفسير ، حجة يراها قاطعة بصحة حديث الغرانيق . ذلك أن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لم يك قد مضى على هجرتهم إليها غير ثلاثة أشهر ، أجارهم النجاشي أثناءها ، وأحسن جوارهم . فلو لم يكن قد ترامى إليهم خبر الصلح بين محمد وقريش لما دفعهم دافع إلى العود حرصا على الاتصال بأهلهم وعشائرهم . وأنى يكون صلح بين محمد وقريش إذ لم يسع محمد إليه ، وقد كان في مكة أقل نفرا وأضعف قوة ، وقد كان أصحابه أعجز من أن يمنعوا أنفسهم من أذى قريش ومن تعذيبهم إياهم !
--> ( 1 ) سورة الإسراء الآيات من 73 إلى 75 . ( 2 ) سورة الحج ايتا 52 و 53 .