شيخ محمد قوام الوشنوي

54

حياة النبي ( ص ) وسيرته

عنهم ، ولبسوا حللا لهم يحبرونها من حبرة وخواتيم الذّهب ، ثم انطلقوا حتّى أتوا رسول اللّه فسلّموا عليه ولم يردّ عليهم السّلام وتصدّوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلّمهم ، وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذّهب فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفّان وعبد الرّحمن بن عوف ، وكانوا يعرفونهما فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس ، فقالوا : يا عثمان ! يا عبد الرحمن ! إنّ نبيّكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلّمنا عليه فلم يردّ سلامنا وتصدّينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا ان يكلّمنا فما الرأي منكما أترون ان نرجع ؟ فقالا لعلي ابن أبي طالب ( ع ) - وهو في القوم - : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال علي ( ع ) لعثمان ولعبد الرحمن : أرى ان يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه ، ففعلوا فسلّموا ، فردّ سلامهم ثم قال ( ص ) : والّذي بعثني بالحقّ لقد اتوني المرّة الأولى وأنّ إبليس لمعهم ، ثم سائلهم وسائلوه ، فلم تزل به وبهم المسألة حتّى قالوا : ما تقول في عيسى فإنّا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى ليسرّنا إن كنت نبيّا أن نسمع ما تقول فيه ؟ فقال رسول اللّه ( ص ) : ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتّى أخبركم بما يقول اللّه في عيسى ، فأصبح الغد وقد أنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ « 1 » فأبوا أن يقرّوا بذلك ، فلمّا أصبح رسول اللّه الغد ، بعد ما أخبرهم الخبر ، أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة وله يومئذ عدّة نسوة . . . الخ . وروى ابن كثير في التفسير « 2 » باسناده عن جابر قال : وفيهم نزلت تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ الآية ، قال جابر : أنفسنا رسول اللّه ( ص ) وعلي بن أبي طالب ، وأبناءنا الحسن والحسين ( ع ) ، ونسائنا فاطمة ( ع ) . ثم قال ابن كثير : وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن

--> ( 1 ) سورة آل عمران / 59 - 61 . ( 2 ) تفسير القرآن العظيم 1 / 379 .