شيخ محمد قوام الوشنوي
330
حياة النبي ( ص ) وسيرته
قال الحلبي « 1 » : فمن معجزاته ( ص ) وهو أعظمها القرآن ، لأنّه تعالى أتى به مشتملا على أخبار الأمم السّابقة وسير الأنبياء الماضية التي عرّفها أهل الكتاب وهو ( ص ) امّي لا يقرأ ولا يكتب ولا عرف بمجالسته الكهّان والأحبار ، لأنّه ( ص ) قد نشأ بين أظهرهم في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار القرون الماضية والأمم السالفة التي اشتمل عليها ، ومن كان من العرب يكتب ويقرأ ويجالس الأحبار لم يدرك علم ما أخبر به القرآن خصوصا عن المغيبات المستقبلة الدالّة على صدقه ، لوقوعها على ما أخبر به ، وقد أعجز الفصحاء والبلغاء لحسن تأليفه والتئام كلماته بهرت العقول بلاغته ، وظهرت على كلّ قول فصاحته ، أحكمت آياته وفصّلت كلماته فحارت فيه أحلامهم ، وهم رجال النظم والنّثر وفرسان السّجع والشّعر ، وقد جاء على وصف مباين لأوصاف كلامهم النّثر ، لأنّ نظمه لم يكن كنظم الرّسائل والخطب ولا الأشعار وأسجاع الكهّان ، وقد تحدّاهم ودعاهم إلى معارضته والإتيان بأقصر سورة منه ، وهو دليل قاطع على أنّه ( ص ) لم يقل لهم ذلك إلّا وهو واثق مستيقن أنّهم لا يستطيعون ذلك لكونه من عند اللّه ، إذ يستحيل ان يقول ( ص ) ذلك وهو يعلم أنّه الذي تولّى نظمه ولم ينزل عليه من عند اللّه ، إذ لا يأمن ان يكون في قومه من يعارضه وهم أهل فصاحة وشعر وخطابة قد بلغوا الدّرجة العليا في البلاغة وهو من جنس كلامهم فيصير كذّابا ولو كان في استطاعة أحد منهم ذلك لما عدلوا إلى المحاربة التي فيها قتل صناديدهم ونهب أموالهم وسبي ذراريهم ، لأنّ النفوس إذا قرعت بمثل هذا استفرغت الوسع في المعارضة ، فهو ممتنع في نفسه عن المعارضة ، خلافا لمن قال : إنّما لم تقع المعارضة منهم ، لأنّ اللّه تعالى صرفهم عنها مع وجود قدرتهم عليها ، لأنّه وان كان صرفهم عنها فيه إعجاز لكنّ الإعجاز في الأوّل أكمل وأتمّ وهو اللائق بعظيم فضل القرآن . ومن ثمّ لمّا جاء الوليد بن المغيرة وكان المقدّم في قريش بلاغة وخصالة وكان يقال له ( ريحانة قريش ) كما تقدّم ، وقال له ( ص ) : أقرأ عليّ ، فقرأ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وقال له ( ص ) :
--> ( 1 ) السيرة الحلبية 3 / 279 .