العلامة المجلسي
364
بحار الأنوار
دخل ما أحسه ولا ينفعني ، ذهبت قوه رجلي فكأنهما قربتا ماء لا أطيق حملهما ، ذهب المال فصرت أسأل بكفي فيطعمني من كنت أعوله اللقمة الواحدة فيمنها علي ويعيرني ، هلك أولادي ( 1 ) ولو بقي أحد منهم أعانني على بلائي ونفعني ، وقد ملني أهلي ، وعقني أرحامي ، وتنكرت معارفي ، ورغب عني صديقي ، وقطعني أصحابي ، وجحدت حقوقي ، ونسيت صنائعي ، أصرخ فلا يصرخونني ، وأعتذر فلا يعذرونني ، دعوت غلامي فلم يجبني ، وتضرعت لامتي فلم ترحمني ، وإن قضاءك هو الذي أذلني وأقمأني ، ( 2 ) وإن سلطانك هو الذي أسقمني وانحل جسمي ، ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي بمكان ينبغي ( 3 ) للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي ، ولكنه ألقاني وتعالى عني ( 4 ) فهو يراني ولا أراه ، ويسمعني ولا أسمعه ، لا نظر إلي فرحمني ، ولا دنا مني ولا أدناني فأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي . فلما قال ذلك أيوب عليه السلام وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب ثم نودي : يا أيوب إن الله عز وجل يقول لك : ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا فقم فأدل بعذرك ، ( 5 ) وتكلم ببراءتك ، وخاصم عن نفسك ، واشدد إزارك ، وقم مقام جبار فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي ، ولا ينبغي أن يخاصمني إلا من يجعل الزيار ( 6 ) في فم الأسد ، والسحال في فم العنقاء ، واللجام في فم التنين ، ( 7 ) ويكيل مكيالا من النور ، ويزن مثقالا من الريح ، ويصر صرة من الشمس ، ويرد أمس ، لقد منتك نفسك أمرا ما تبلغ بمثل قوتك ، ولو كنت إذ منتك ذلك ودعتك إليه تذكرت أي مرام
--> ( 1 ) في المصدر : الهي هلك أولادي . ( 2 ) " " : أذلني وأدناني وأهانني وأقامني . ( 3 ) " " : ولو كان ينبغي للعبد . ( 4 ) " " : وتخلى عنى . ( 5 ) أي احضره واحتج به . ( 6 ) في المصدر : الامن يجعل الزمام في فم الأسد . قلت : الزيأر : خشبتان يضغط بهما البيطار جحفلة الفرس أي شفتيه فيذل فيتمكن من بيطرته . والسحال : اللجام . ( 7 ) التنين كسكين : حية عظيمة .