العلامة المجلسي
258
بحار الأنوار
عن سرعة الشيب إليك قبل أوان المشيب ، وعن بكائك وذهاب بصرك ، فظن يعقوب أن ذلك مكر منهم فقال لهم : يا بني بئس العادة عادتكم ، كلما خرجتم في وجه نقص منكم واحد ، لا أرسله معكم ، فلما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم من غير علم ( 1 ) منهم أقبلوا إلى أبيهم فرحين قالوا : يا أبانا ما رأى الناس مثل هذا الملك أشد اتقاء للإثم منه ، رد علينا بضاعتنا مخافة الاثم ، وهي بضاعتنا ردت إلينا ، ونمير أهلنا ، ( 2 ) ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ; قال يعقوب : قد علمتم أن ابن يامين أحبكم إلي بعد أخيكم يوسف وبه انسي ، وإليه سكوني من بين جماعتكم ، فلن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ، فضمنه يهودا فخرجوا حتى وردوا مصر فدخلوا على يوسف عليه السلام فقال لهم : هل بلغتم رسالتي ؟ قالوا : نعم وقد جئناك بجوابها مع هذا لغلام فسله عما بدا لك ، قال له يوسف : بما أرسلك أبوك إلي يا غلام ؟ قال : أرسلني إليك يقرؤك السلام ويقول : إنك أرسلت إلي تسألني عن حزني ، وعن سرعة الشيب إلي قبل أوان المشيب ، وعن بكائي وذهاب بصري ، فإن أشد الناس حزنا وخوفا أذكرهم للمعاد ، وإنما أسرع الشيب إلي قبل أوان المشيب لذكر يوم القيامة ، وأبكاني وبيض عيني الحزن على حبيبي يوسف ، وقد بلغني حزنك بحزني واهتمامك بأمري ، فكان الله لك جازيا ومثيبا ; وإنك لن تصلني بشئ أنا أشد فرحا به من أن تعجل علي ولدي ابن يامين ، فإنه أحب أولادي إلي بعد يوسف ، فأونس به وحشتي ، وأصل به وحدتي ، تعجل علي بما أستعين به علي عيالي . فلما قال هذا خنقت يوسف عليه السلام العبرة ولم يصبر حتى قام فدخل البيت وبكى ساعة ثم خرج إليهم وأمر لهم بطعام ، وقال : ليجلس كل بني أم على مائدة ، فجلسوا وبقي ابن يامين قائما ، فقال له يوسف : مالك لم تجلس ؟ فقال له : ليس لي فيهم ابن أم ، فقال له يوسف : أفما كان لك ابن أم ؟ فقال له ابن يامين : بلى ، فقال له يوسف : فما فعل ؟ قال : زعم هؤلاء أن الذئب أكله ، قال : فما بلغ من حزنك عليه ؟ قال : ولد لي اثنا عشر ابنا كلهم اشتق له اسما من اسمه ،
--> ( 1 ) في نسخة : بغير علم . ( 2 ) أي نجلب إليهم الطعام . منه رحمه الله .