شيخ محمد قوام الوشنوي
373
حياة النبي ( ص ) وسيرته
من المدينة فعسكروا وأخذوا في جهازهم ، ومع رسول اللّه ( ص ) رجل من المهاجرين حليفا لآل العوّام من خويلد يقال له حاطب بن محمد بن أبي بلتعة ، فكتب : انّ محمدا قد خرج فعسكر ولا أراه إلّا يريدكم فعليكم بالحذر . فأرسل بها مع مولاة لبني هاشم يقال لها سارة ، وجاءت سائلة فرضح لها وحملها الكتاب ، فنزل جبريل على نبي اللّه فأخبره الخبر ، فبعث رسول اللّه ( ص ) رجلين من أصحابه وهما علي بن أبي طالب وابن الزبير ، فقال ( ص ) : أدركا عدوّة اللّه ، فانّ رجلا من أصحابي قد كتب معها بكتاب إلى أهل مكة يحذّرهم . فركبا في أثرها ، فلحقاها فسألاها عن الصحيفة فحلفت باللّه ما معي صحيفة ولا كنت آخذة معي كتابا . ثم قال : فنبّشاها فلم يجدا معها شيئا ، فهمّا بتركها ثم قالا : نشهد انّه ما كذب رسول اللّه . فرجعا وهدّداها القتل وسلّا سيفهما عليها ، فلمّا عرفت انّه القتل قالت : أعطوني الميثاق لئن أعطيتكما لا تقتلاني ولا ترجعاني إلى المدينة ولتخلّيا سبيلي ، فأعطياها الميثاق ، فأخرجتها من شعرها ، فإذا هي من حاطب بن أبي بلتعة عليها خاتمه ، فخلّيا سبيلها وأقبلا بالصحيفة فوضعاها بين يدي رسول اللّه ( ص ) ، فأرسل رسول اللّه ( ص ) إلى حاطب فقال : يا حاطب ما حملك على أن تنذر بنا عدوّنا ؟ قال : اعف عني عفى اللّه عنك يا رسول اللّه ، فوالذي أنزل عليك الكتاب ما أبغضتك منذ أجبتك ولا كذّبتك منذ صدقتك ولا كفرت باللّه منذ آمنت به ولا واردت المشركين منذ فارقتهم ، ولكنّي مخبرك يا رسول اللّه حديثا فأعذرني جعلني اللّه فداك ، لم يكن من أصحابك رجل له مال بمكة إلّا له في مكة من يمنع ماله من عشيرته غيري ، وكنت حليفا ليس من أنفس القوم ، وكان حلفائي قد هاجروا معي ، وكنت كثير المال والسعة بمكة ، فخفت المشركين على مالي ، فكتبت إليهم بالذي كتبت لأتخذها عندهم مودّة ، وقد عرفت انّ اللّه تعالى منزل بهم خزيه ونقمته ، وانّ كتابي إليهم ليس بمغني عنهم شيئا . فعرف رسول اللّه ( ص ) انّه صادق وأرسل اللّه على نبيّه يعظ المؤمنين أن يعودوا لمثل صنيع حاطب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ