شيخ محمد قوام الوشنوي

351

حياة النبي ( ص ) وسيرته

ميتا ، فأكلوا منه حتّى شبعوا ، ونصب أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فيمر الراكب تحته ، فلمّا قدموا المدينة ذكروا ذلك للنبي ( ص ) فقال : كلوا رزقا أخرجه اللّه لكم ، وأكل منه رسول اللّه ( ص ) ، وذكروا ضيع قيس بن سعد فقال : انّ الجود من شيمة أهل ذلك البيت ، انتهى . وقال الزيني دحلان « 1 » : وزوّدهم رسول اللّه ( ص ) جرابا من التمر لم يجدوا غيره ، وقيل كان معهم غيره ، فلمّا فنى ما معهم أكلوا الخبط وهو بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة ورق السلم . قال جابر : كنّا نضرب بعصيّنا الخبط ونبلّه بالماء فنأكله ، وفي رواية : كان الرجل منّا يأكل تمرة تمرة ، فقالوا لجابر : كيف كنتم تصنعون ؟ قال : نمصّها كما يمصّ الصبي الثدي ثم نشرب عليها الماء فيكفينا يومنا إلى الليل . ثم أكلوا الخبط بعد فناء التمر ، وابتاع لهم قيس بن سعد بن عبادة جزرا ونحرها لهم . وفي رواية انّهم أصابهم جوع شديد ، فقال قيس : من يشتري منّي تمرا بالمدينة بجزر تجزر هنا . فقال له رجل من جهينة : من أنت ، فانتسب فعرفه الجهني فقال : عرفت نسبك ، فابتاع منه خمس جزائر بخمسة أوسق وأشهد له نفرا من الصحابة وامتنع عمر لكون قيس لا مال له ، فقال الأعرابي : ما كان سعد ليقصر بابنه وأرى وجها حسنا وفعلا شريفا ، فأخذ قيس الجزر فنحر لهم ثلاثة كل يوم جزورا ، فلمّا كان اليوم الرابع نهاه أميره فقال : عزمت عليك أن لا تنحر أتريد أن تخفر ذمّتك ولا مال لك . فقال قيس : يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت يقضي ديون الناس ويحمل الكل ويطعم في المجاعة ولا يقضي عنّي تمرا لقوم مجاهدين في سبيل اللّه ، فكاد أبو عبيدة يلين وجعل عمر يقول اعزم ، فعزم عليه فبقيت جزوران فقدم بهما قيس المدينة ظهرا يتعاقبون عليهما ، وبلغ سعدا مجاعة القوم فقال : إن يكن قيس كما أعرف فسينحر لهم ، فلمّا لقيه قال : ما صنعت في مجاعة ؟ قال : نحرت . قال : أصبت ، ثم ماذا ؟ قال : نحرت . قال : أصبت ، ثم ماذا ؟ قال : نحرت . قال : أصبت ، ثم ماذا ؟ قال : نهيت . قال : ومن نهاك ؟ قال : أبو عبيدة أميري . قال : ولم ؟ قال : زعم انّه لا مال لي وانّما المال لأبيك . فقال : لك أربع حوائط أدناها تجد

--> ( 1 ) السيرة النبوية 2 / 73 و 74 .