شيخ محمد قوام الوشنوي

262

حياة النبي ( ص ) وسيرته

بمكة ، فكانوا يتسلّلون إليه ، وانقلب أبو جندل ابن سهيل بن عمرو الذي ردّه ( ص ) يوم الحديبية ، وخرج من مكة في سبعين راكبا أسلموا ، فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا على رسول اللّه ( ص ) في مدّة الهدنة خوفا من أن يردّهم إلى أهلهم ، وانضمّ إليهم ناس من غفار واسلم وجهينة وطوائف من العرب ممّن أسلم حتّى بلغوا ثلاثمائة مقاتل ، فقطعوا مارّة قريش ، لا يظفرون بأحد منهم الّا قتلوه ولا تمرّ بهم عير الّا أخذوها ، حتّى كتبت قريش له ( ص ) تسأله بالأرحام الّا آواهم ولا حاجة لهم بهم . وفي رواية : انّ قريشا أرسلت أبا سفيان بن حرب في ذلك ، وانّ قريشا أسقطت هذا الشرط وقالت : انّ هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح اقراره . فكتب رسول اللّه ( ص ) إلى أبي جندل وأبي بصير أن يقدما عليه ، وانّ من معهم من المسلمين يلحقوا ببلادهم وأهليهم ، ولا يتعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش ولا لغيرهم . فقدم كتاب رسول اللّه ( ص ) عليهما وأبو بصير مشرف على الموت لمرض حصل له ، فمات وكتاب رسول اللّه في يده يقرأه ، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا ، وقدم أبو جندل على رسول اللّه مع ناس من أصحابه ورجع باقيهم إلى أهلهم ، وآمنت قريش على عيرهم ، وتحقق قول النبي ( ص ) : سيجعل اللّه لأبي جندل وأصحابه فرجا ومخرجا . وعلم أصحاب رسول اللّه ( ص ) الذين صعب عليهم ردّ أبي جندل إلى قريش مع سهيل بن عمرو انّ طاعة رسول اللّه ( ص ) خير ممّا أحبّوه ، وانّ رأيه أفضل من رأيهم ، وعلموا بعد ذلك انّ المصالحة كانت أولى لهم كما تقدّم بيان ذلك ، انتهى . وقال الحلبي « 1 » : وعن بعضهم - أي وهو أبو بكر - انّه كان يقول : ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية ، ولكن الناس قصر رأيهم عمّا كان بين محمد وربّه ، والعباد يعجّلون واللّه لا يعجّل لعجلة العباد ، حتّى تبلغ الأمور ما أراد ، لقد رأيت سهيل بن عمرو بعد إسلامه في حجة الوداع قائما عند المنحر يقرب لرسول اللّه بدنة ورسول اللّه ينحرها بيده ، ودعا الحلّاق

--> ( 1 ) السيرة النبوية 3 / 28 .