شيخ محمد قوام الوشنوي
214
حياة النبي ( ص ) وسيرته
فوق الوادي ومن أسفل منه وزاغت أبصارهم وبلغت قلوبهم الحناجر خوفا من العدوّ وظنّوا باللّه ظنونا من حيث الهلاكة والفناء وقتل الذراري والنساء أو الاسارة والذلة ، إلى غير ذلك من الظنون ، وقد ابتلي المؤمنون وزلزلت قلوبهم ولامهم المنافقون والذين في قلوبهم مرض بأنّ اللّه ورسوله ما وعدهم إلّا غرورا ، وانّهم مع هذه القلّة والمحاصرة وكثرة عدد العدوّ والعدّة كيف يكون لهم النجاة ، فلذا اعتذر بعضهم بانّ بيوتنا عورة ولا يكون لها حصن ولا حصار ليأذن لهم النبي ( ص ) فيرجعوا إلى منازلهم ولا يشهدون النزال ، لانّهم رأوا أنفسهم موتى لا محالة في مقابل تلك العدّة والعدّة ، وقد أخبر اللّه عزّ وجلّ في كتابه بذلك كلّه . والشاهد على ذلك انّ أحدا منهم لم يبارز عمرا حتّى وبّخهم بقوله : أين جنّتكم التي تزعمون انّه من قتل منكم دخلها ، فبرز إليه أسد اللّه وأسد رسوله والذاب عن الإسلام وأهله والسيف المسلول على أعداء اللّه وأعداء رسوله علي بن أبي طالب عليه السّلام ثم ضربه ضربة حوت المكرمات وكشف بهذه الضربة الكرب عن وجه رسول اللّه ( ص ) وكسر بها صولة الباطل ، بل هي في الحقيقة أزالت سلطة عبدة الأوثان واليهود عن المدينة وأهله ، ولنعم ما قال القائل : يا لها ضربة حوت مكرمات * لم يزن ثقل أجرها ثقلاها وإلى الحشر رنّة السيف منه * ملأ الخافقين رجع صداها هذه من علاه إحدى المعالي * وعلى هذا فقس ما سواها ثم أيد اللّه عزّ وجلّ رسوله ( ص ) والمؤمنين بجنود من الملائكة ، وسلّط عليهم البرد الشديد والريح العاصف والمطر الغزير ، ففرّق شملهم وبدّد جمعهم وردّ إليهم كيدهم ، فرجعوا إلى مكة سراعا وقد ملأ اللّه عزّ وجلّ قلوبهم الرعب وارتعشت أبدانهم من الخوف ، حتّى انّ أبا سفيان الذي كان قائد الكفرة وأهل النفاق ورئيس الجموع والأحزاب ، ركب بعيره من دون أن يفك عقاله من الدهشة والعجلة ، فقام البعير بعد أن ضربه على ثلاث قوائم ثم فكّ عقاله . وهكذا سائر المشركين ولّوا معه مدبرين إلى أن دخلوا مكة مذعورين ، قال اللّه عزّ وجلّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً الآيات ، إلى قوله تعالى وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا