شيخ محمد قوام الوشنوي
56
حياة النبي ( ص ) وسيرته
قريش ، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا وحلوا رحالهم ، فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت . قال : فهم يحلون رحالهم ، فجعل يتخللهم حتّى جاء فأخذ بيد رسول اللّه ( ص ) فقال : هذا سيد العالمين ، هذا رسول رب العالمين ، هذا يبعثه اللّه رحمة للعالمين . فقال له أشياخ قريش : ما علمك ؟ قال : انّكم حين أشرفتم من العقبة لم تبق شجرة ولا حجر الّا خرّ ساجدا ، ولا يسجدون الّا لنبيّ . السيرة النبوية لابن هشام والسيرة الحلبية « 1 » ، والعبارة لابن هشام قال : فلمّا نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتّى كان ذلك العام ، فلما نزلوا قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا - إلى أن قال : فقال انّي قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش فأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحرّكم . قال له رجل منهم : واللّه يا بحيرا انّ لك اليوم لشأنا ، ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا ، فما شأنك اليوم ؟ قال له بحيرا : صدقت ، قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم . فاجتمعوا اليه وتخلف رسول اللّه ( ص ) من بين القوم لحداثة سنّه في رحال القوم تحت الشجرة ، فلما نظر بحيرا في القوم ولم ير الصفة التي يعرف ويجده عنده ، فقال : يا معشر قريش لا يتخلّفن أحد منكم عن طعامي . قالوا له : يا بحيرا ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك الّا غلاما وهو أحدث القوم سنّا فتخلف في رحالهم . فقال : لا تفعلوا فليحضر هذا الطعام معكم . قال : فقال رجل من قريش مع القوم : واللات والعزى إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد اللّه بن عبد المطلب عن طعام من بيننا ، ثمّ قام اليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم . فلمّا رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده وقد كان يجدها من صفته ، حتّى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام اليه بحيرا فقال : يا غلام أسألك بحق اللات والعزى الّا ما أخبرتني عما أسألك عنه . وانّما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه ( ص ) يحلفون بهما ، فزعموا أن رسول اللّه قال : لا تسألني باللات والعزى شيئا ، فو اللّه ما أبغضت شيئا قط بغضهما . فقال له بحيرا : فباللّه الّا ما أخبرتني عما أسألك عنه . فقال
--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام 1 / 191 ، السيرة الحلبية 1 / 118 .