شيخ محمد قوام الوشنوي
46
حياة النبي ( ص ) وسيرته
يبلغ من الشرف ما لم يبلغه به عربي قبله ولا بعده وفي رواية : دعوا ابني انّه ليؤنس ملكا - أي يعلم من نفسه أن له ملكا . وعن ابن عباس قال : سمعت أبي يقول : كان لعبد المطلب مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره ، وكان حرب بن أمية فمن دونه من عظماء قريش يجلسون حوله دون المفرش ، فجاء رسول اللّه ( ص ) يوما وهو غلام لم يبلغ الحلم فجلس على المفرش ، فجذبه رجل فبكى رسول اللّه ( ص ) ، فقال عبد المطلب وذلك بعد ما كفّ بصره : ما لابني يبكي ؟ قالوا : أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه . فقال عبد المطلب : دعوا ابني يجلس عليه ، فانّه يحس من نفسه بشرف - أي يتيقن في نفسه شرفا - وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده . فكانوا بعد ذلك لا يردّونه عنه حضر عبد المطلب أو غاب . وقال لعبد المطلب قوم من بني مدلج وهم القافة العارفون بالآثار والعلامات : احتفظ به فانّا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه ، وهي قدم إبراهيم ( ع ) ، فانّ إبراهيم أثرت قدماه في المقام ، وهو الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت ، وهو الذي يزار الآن بالمكان الذي يقال له « مقام إبراهيم » . وبينا عبد المطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران - والأسقف رئيس النصارى في دينهم ، اشتق من السقف بالتحريك وهو طول الإنحناء لأنه يتخاشع أي يظهر الخشوع ، وذلك الأسقف يحادثه ويقول : انّا نجد صفة نبي تقي من ولد إسماعيل ، وهذا البلد مولده ومن صفته كذا وكذا ، وأتى برسول اللّه ( ص ) فنظر اليه الأسقف وإلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدميه وقال : هو هذا ، ما هذا منك ؟ قال : هذا ابني . قال : ما نجد أباه حيا . قال : هو ابن ابني وقد مات أبوه وامّه حبلى به . قال : صدقت . فقال عبد المطلب لبنيه : تحفظوا بابن أخيكم ، ألا تسمعون ما يقال فيه . وعن امّ أيمن : كنت أحضن النبي ( ص ) - أي أقوم بتربيته وحفظه - فغفلت عنه يوما فلم أدر الّا بعبد المطلب قائما على رأسي يقول : يا بركة . قلت : لبيك . قال : أتدرين أين وجدت ابني . قلت : لا أدري . قال : وجدته مع غلمان قريبا من السدرة ، لا تغفلي عن ابني ، فانّ أهل